الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 (نحن لا نطلب الكثير. لقد قلتم إن مؤتمر القمة هذا يتعلق باتخاذ اجراء. إننا نريد أكثر من مجرد تصفيقكم وتعليقاتكم التي من قبل: «هذا خطاب بارع» أو «خطاب جيد» نحن نريد عملاً). كان هذا هو التحدي الذي ألقى به خمسة أطفال تقاسموا منصة الخطابة أمام مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة الذي عقد في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا في شهر سبتمبر من عام 2002. وفي خطابها أمام المؤتمر قالت منجيو لياو (17 سنة) من الصين: «إننا جميعاً لدينا الكثير الذي نود أن نقوله، غير أن الأمر الأول الذي أثار قلق جميع الوفود هو أن معظم القادة لا ينصتون إلينا». كانت «لياو» واحدة من ثلاث فتيات جئن يمثلن المؤتمر الدولي للأطفال الذي عقده برنامج الأمم المتحدة للبيئة، والذي اجتذب 400 طفل من أكثر من 80 بلداً قبل ثلاثة أشهر من انعقاد قمة جوهانسبرغ. وقد ناشد الأطفال الحضور قائلين: «فكروا في الأطفال.. ما هو نوع العالم الذي تريدونه لهم؟». وفي نهاية الأمر أنجز الأطفال ما لم يكن ممكناً إنجازه خلال العملية العادية التي تتمثل في مفاوضات الكبار حول الإعلان الختامي لمؤتمر القمة، فقد أقر زعماء العالم بأن عليهم مسئولية، ليس فقط تجاه بعضهم البعض، بل أيضاً تجاه «الأطفال». قبل أيام وزعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» تقريراً حول وضع الأطفال في العالم، وهو التقرير الأول الذي يصدر عقب الدورة الخاصة للأمم المتحدة حول الأطفال التي عقدت في مايو من عام 2002 وصدر عنها وثيقة «عالم جدير بالأطفال» التي تضمنت عدداً من الأهداف اتفق قادة العالم على تحقيقها خلال السنوات العشر المقبلة من خلال العمل مع الأطفال واليافعين. وقد تناول التقرير حق الأطفال واليافعين في أن تؤخذ آراؤهم في الاعتبار بشكل جاد عند اتخاذ القرارات التي تتعلق بشئون حياتهم. في تصديره للتقرير، قال كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة إن محور هذا التقرير ينسجم تماماً مع روح دورة الجمعية العامة الخاصة حول الأطفال، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تجتمع فيها الجمعية العامة لكي تناقش قضايا الأطفال على وجه الحصر، وكانت المرة الأولى أيضاً التي تدخل فيها أعداد كبيرة من الأطفال كأعضاء رسميين في الوفود ممثلين لحكومات ومنظمات غير حكومية. لقد أحدث وجود الأطفال تحولاً في أجواء الأمم المتحدة، فقد أضفوا على المناقشات المتروية والدبلوماسية عادة انفعالاتهم، وتساؤلاتهم، ومخاوفهم، وتحدياتهم، وحماسهم وتفاؤلهم. لقد جاءوا بأفكارهم وآمالهم وأحلامهم. لقد بعثوا الحياة في القيم التي تضمنتها اتفاقية حقوق الطفل، وأسهموا بأمر لا يعرفه سواهم: ألا وهو تجربة أن تكون شاباً في القرن الحادي والعشرين. وفي دورة الجمعية العامة الخاصة حول الأطفال عبّر عضو الوفد الماليزي الطفل خير الله آزري (17 سنة) عن رأي الأطفال فقال: «إن الكبار يخطئون الهدف، فمتى يعتبر الطفل على درجة كافية من المهارة تؤهله للإسهام والمشاركة بفاعلية؟ إذا لم تتيحوا لهم الفرصة للمشاركة فإنهم لن يكتسبوا المهارات اللازمة. أعطونا الفرصة مبكراً وسوف ترون كيف ننطلق». أما الطفلة أورسكا كوروستش (16 سنة) من سلوفينيا فقد عبرت عن رأيها على موقع «أصوات الشباب» على شبكة الانترنت قائلة: «إذا تصورتم أن الأطفال لا يستطيعون إضافة أي جديد فإنكم مخطئون جداً، فمن غير الأطفال يستطيع أن يصف الأذى الذي يحدث في العالم؟ ينبغي الانصات إلى الأطفال، ويجب الاستماع إلى أفكارهم وآرائهم. وعندئذ قد يفكّر زعماء العالم في جميع ما يقترفونه من أذى في حق العالم، وقد يحاولون مساعدة جميع أطفال العالم». انتهى كلام الأطفال، فماذا نقول نحن الذين تخلّينا عن طفولتنا وودّعنا عالم البراءة؟ نقول: يبدو أن هؤلاء الأطفال أكثر رشداً منّا نحن الكبار! فبينما نسعى نحن ـ الذين ندّعي الرشد ـ إلى خراب العالم وتدميره بإشعال الحروب والحرائق في مختلف أرجائه، يسعى هؤلاء الأطفال ـ الذين ندّعي عدم اكتمال رشدهم ـ إلى المحافظة عليه وانقاذه، إن لم يكن من أجل مستقبلهم المهدد بما نقدم عليه من حماقات تقودها أطماعنا وأهواؤنا وانفعالاتنا التي لا تخلو من جنون عظمة يطلق براكينها، فعلى الأقل من أجل أنفسنا نحن الذين ضاع منّا الطريق بعد أن فقدنا صوابنا وتخلّينا عن مراكز احساسنا. نقول: يبدو أن هؤلاء الأطفال أكمل عقلاً منّا نحن الكبار! فبينما نعمل نحن ـ الذين ندّعي العقل ـ على تطوير أسلحتنا الذرية والجرثومية وبرامج حروبنا، يحاول هؤلاء الأطفال ـ الذين ندّعي عدم اكتمال عقولهم ـ تبصيرنا بأننا سائرون في الطريق الخطأ، وأن هذا الذي نفعله ضرب من الجنون يجب أن نتوقف عنه، إن لم يكن من أجل الحفاظ على الجنس البشري المهدد بالفناء على أيدي أولئك العلماء الذين يعملون على تطوير هذه البرامج، وأولئك القادة الذين أعماهم جنون العظمة، فعلى الأقل من أجل توفير الأموال والجهود وتوجيهها نحو ما ينفع الناس ويفيد البشرية. نقول: يبدو أن هؤلاء الأطفال أكثر نضجاً منّا نحن الكبار! فبينما ندفع نحن ـ الذين ندّعي النضج ـ العالم إلى حافة الهاوية، ونمضي في طريق تصعيد الأمور، مدفوعين باغترارنا وقوّتنا، يحاول هؤلاء الأطفال ـ الذين ندّعي عدم اكتمال نضجهم ـ الدفع بالأمور إلى التهدئة والتبصّر والنظر إلى عواقب الأمور، إن لم يكن من أجل المستقبل الذي ينتظرهم، فعلى الأقل من أجل الحاضر الذي نعيشه ولا يحتمل كل هذا التهور والجنون. ونقول أخيراً: إن هؤلاء الأطفال أكثر طهراً وبراءة منّا نحن الكبار! فبينما نحيك نحن ـ الذين ندّعي الأخلاق والمثالية ـ الدسائس والمؤامرات، وتعمل فرقنا تحت الأرض لتدبير الانقلابات والاغتيالات، وبث الفوضى في كل مكان، يعمل هؤلاء الأطفال ـ الذين ندّعي عدم اكتمال تكوين مشاعرهم ـ على نشر السلام والطمأنينة في أنحاء العالم، وإرساء قواعد جديدة لعلاقات الأمم والشعوب، أساسها الحب والخير والوئام، ومظلتها السكينة، إن لم يكن من أجل إطفاء نار الحروب التي نشعلها نحن الكبار كل يوم في كل بقعة من بقاع الأرض، فعلى الأقل من أجل تخفيف معاناة أولئك الذين يصطلون بنارها، ويعانون ويلاتها دماراً وخراباً وتشريداً وقتلاً. أفلا يستحق هؤلاء الأطفال، بعد هذا كله، عالماً جديراً بهم لا نلوثه نحن الكبار ولم نعد نستحقه؟!