الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 يبلغ العراك الدبلوماسي حول مشكلة الجنوب ذروة عليا وتتشعب مساراته.. الجامعة العربية تدخل على الخط وتعين مبعوثاً خاصاً للسودان.. وفرنسا على الطريق وقد تعين مبعوثاً خاصاً أيضاً. لكن لا يتذكر وجود «التجمع الوطني» المعارض في الخارج بقدر ما يبدو أن قادة التجمع نسوا أنفسهم ونسوا تنظيمهم المظلي. لقد نشأ التجمع قبل نحو سبع سنوات كجبهة عريضة تمثل تنظيمات المعارضة الشمالية والمعارضة الجنوبية معاً. ومنذ الوهلة الأولى كان معلوماً أن هذه الجبهة تشتمل على ثلاث قوى سياسية كبرى، اثنتان منها شماليتان، وهما «حزب الأمة» بزعامة الصادق المهدي و«الحزب الاتحادي الديمقراطي» بزعامة محمد عثمان الميرغني، والثالثة جنوبية هي «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بزعامة جون قرنق. لقد كان واضحاً حتى قبل بداية العملية التفاوضية في ضاحية مشاكوس الكينية في يوليو الماضي، أن ما يريده الوسيط الأميركي هو حصر التفاوض في مشكلة الجنوب فقط. ومن هنا تقرر أميركياً تجاهل «التجمع الوطني». وقد جرت الترتيبات الاجرائية للعملية التفاوضية حتى دون مجرد إخطار لقادة «التجمع».. فماذا كان رد فعل هذا التنظيم المظلي؟ نعلم أولاً ان «حزب الأمة» كان قد استقال نهائياً من عضوية «التجمع» في مطلع عام 2000. فبقيت قوة سياسية شمالية رئيسية واحدة: «الحزب الاتحادي الديمقراطي». لكن عوضاً عن الدخول في مواجهة مع جون قرنق آثر محمد عثمان الميرغني ان ينتقد الحكومة. لقد كان حرياً بهذا الزعيم الشمالي ان يدعو التجمع الى محاسبة زعيم «الحركة الشعبية» لقيامه بتحرك استراتيجي مصيري من وراء ظهر التجمع. فالذي كان جديراً بزعيم «الحركة» هو الاعتذار عن المشاركة في العملية التفاوضية الكبرى مشترطاً على الوسيط الأميركي ان يكون الطرف المفاوض مع الحكومة السودانية هو «التجمع» كجبهة ائتلافية وليس «الحركة الشعبية» كتنظيم مفرد. لسبب أو لآخر فضل رئيس الحزب الاتحادي ان يكذب على نفسه وعلى غيره على الدخول في مواجهة مع قرنق. وما يزداد وضوحاً كل يوم منذ بدء المفاوضات في مشاكوس هو ان قرنق ليس مهتماً إلا بأجندته الذاتية كسياسي «جنوبي» لا كسياسي «سوداني» كما كان يدعي قبل المرحلة التفاوضية. قرنق إذن أسفر عن وجهه الحقيقي كزعيم أقلية عنصرية ـ أهل الجنوب ـ يهدف الى خلق جبهة تضم أقليتين عنصريتين أخريين ـ النوبة والانقسنا ـ كتنظيم مظلي بديل عن «التجمع». ذلك ان التجمع استنفد غرضه من وجهة نظر قرنق.. بل وصار عبئاً يجب التخلص منه لكي تتمكن «الحركة الشعبية» من حصر جهودها وتحركها في مشكلة الجنوب و«المناطق المهمشة» في اطار عملية تفاوضية تشرف عليها قوة عظمى. ماذا يمكن ان نستخلص من هذا؟ نستخلص ان القضية المطروحة اتخذت الآن أكثر من أي وقت مضى شكلها الحقيقي الطبيعي كمشكلة مخضرمة يبلغ عمرها ما يقارب نصف قرن بين الشمال كأغلبية عربية إسلامية وبين الجنوب كأغلبية غير عربية وغير إسلامية.. وليس لمشكلة طارئة وعابرة بين «الحركة الشعبية» و«نظام الانقاذ». لكن المؤسف انه بينما ينهمك قرنق في بناء جبهة الأقليات غير العربية وغير الإسلامية لتقوية مواجهته ضد الشمال العربي الإسلامي في مسائل اقتسام السلطة والثروة، فإن الصف السياسي الشمالي لا يزال منقسماً على نفسه. هذا الانقسام المؤسف ليس مسئولاً عنه المعارضة الشمالية وحدها ممثلة في الحزب الاتحادي وحزب الأمة، وانما يتحمل النظام الحاكم وحزبه المسئولية بالقدر نفسه. مسئولية أحزاب المعارضة تتمثل في سعيها المحموم لاسترداد السلطة أو المشاركة فيها بأي ثمن. ومسئولية النظام تتمثل في حرصه وحرص حزبه على الاستئثار بالحكم واحتكار السلطة مهما كان الثمن. والثمن في كلا الحالتين هو استغلال «الحركة الشعبية» لهذا الانشقاق الشمالي لفرض ارادة أقلية أو أقليات عنصرية على الأغلبية. بإعلان نفسه انه هو الزعيم الأكبر الذي يمثل الجنوبيين والنوبة والانقسنا فإن قرنق يضع حداً فاصلاً بين العرب المسلمين وبين غير العرب وغير المسلمين فيبلغ به الشطط المطالبة بأكثر من 60% من عائدات النفط السوداني (علماً بأن النفط ينتج حالياً في منطقة شمالية هي اقليم كردفان ـ أي منطقة قبيلة البقارة). وإزاء هذه الحقيقة الكبرى فإن الشماليين يتلاعبون بمصيرهم ومستقبل أجيالهم المقبلة إذا بقوا في غفلة من أمرهم!