الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 أيام قلائل تفصلنا عن الانتخابات الإسرائيلية العامة، ولا تزال استطلاعات الرأي على أشدها تبين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي «أرييل شارون» يستمر في الاستحواذ على تأييد غالبية لا يستهان بها من أصوات الناخبين الإسرائيليين، وأن نسبة الموافقين على سياسته الجهنمية حيال العرب والفلسطينيين لم تتغير كثيراً منذ فوزه بالانتخابات على منافسه رئيس الحكومة السابق وزعيم حزب العمل السابق أيضاً أيهود باراك. لكن بعيداً عن استطلاعات الرأي الكثيرة وبعيداً عن نتائجها، التي لا تعبر على الدوام عن المزاج الشعبي العام، باعتبارها ترتكز إلى عينات عشوائية، وغالباً ما تكون مقصودة ومبرمجة من قبل بعض وسائل الإعلام الحزبية ذاتها، كي تستخدم ورقة انتخابية تحشيدية، فشارون جاء إلى الحكم في إسرائيل ليس بسبب شعبيته والتفاف جمهور الناخبين من حوله، كما يشيع البعض، بعد أقل من عامين على انتخاب سلفه العمالي أيهود باراك، بقدر ما كان انتقاماً ومعاقبة لباراك على فشله الذريع في تحقيق ما كان قد تعهد به قبيل انتخابه رئيساً للحكومة. بمعنى أوضح أن باراك ارتقى سدة الحكم على درج شعار السلام، أي أنه انتخب بالأغلبية على هذا الأساس، بعد نفاذ صبرهم من سلفه الليكودي المتشدد بنيامين نتانياهو بسبب حجم ما ارتكبه من أخطاء وفضائح؛ بذات القدر عوقب ـ باراك ـ على فشله في التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية، على الصعيدين السياسي والعسكري بهدف وقفها، أو على أقل تقدير الحد من تأثيرها السياسي ـ الأمني كما يقال. على هذا النحو بالذات جيء بالجنرال شارون باعتباره يحمل تراثاً سياسياً متشدداً، أو إذا شئت إرهابياً متطرفاً في التعامل مع قضايا الحرب والسلام، ناهيك عن سجله الحافل في القمع والتنكيل بالفلسطينيين والعرب على حد سواء. لكن السؤال الهام، هل نجح شارون في مهمته التي انتخب من أجلها؟ وهل حقق الحلول السياسية والأمنية التي وضعها جمهوره نياشيناً على كتفيه؟ قبل الاجابة على هذه الأسئلة وغيرها، لا بد من العودة إلى الانتخابات الداخلية لحزب الليكود التي عقدت في نهاية العام 2002، فقد بينت كل استطلاعات الرأي التي سبقتها، أن رئيس الحزب القادم هو بنيامين نتانياهو، واعتبرت النتائج التي أظهرت نسبة شارون 46% ونتنياهو 42% دلالة على أن معظم أعضاء الليكود يقفون إلى يمين شارون من الناحية الأيديولوجية، ويرون في نتانياهو أكثر قدرة على معالجة القضايا. لكن بالنهاية فاز شارون برئاسة الحزب، على الرغم من أن نتانياهو فاز في إدخال حركات يمينية إلى صفوف الليكود كي تكون سنداً له في الانتخابات الداخلية، مثل حركة «هذه بلادنا»، التي نجحت في إدخال 120عضواً إلى مركز الليكود، تحت شعار الزعامة اليهودية في «الليكود»، كما قبل العديد من أعضاء التنظيمات السرية اليهودية، من أمثال موشي فايفلين، وموتي كاربل، ونتان انفلسمان، وميخال فونه، وشاؤول نير، الذي شارك في إطلاق النار، وإلقاء القنابل على الكلية الإسلامية في الخليل، وفي تفخيخ شركة باصات عربية شرقي القدس. لكن كل هذه المحاولات من قبل نتانياهو باءت بالفشل على المستوى الشخصي بالنسبة له على الأقل، بصرف النظر عن القائمة الليكودية المرشحة للانتخابات العامة والتي تستحوذ على عشرة مرشحين له في مقدمتها. عود على بدء، يمكننا القول أن كل المفرقعات الإعلامية في إسرائيل والخارج لا يمكننا اعتبارها مؤشراً نهائياً على فوز شارون بالأغلبية، وأن كل ما يقال على أن اليمين القومي والديني سيكسب 65صوتاً في الانتخابات القادمة ليست سوى توقعات، وهواجس تستند بالأساس إلى واقع الاستطلاعات والشعارات الفضفاضة واليافطات العريضة التي يرفعها هذا الحزب أو ذاك وهذه الكتلة أو تلك. ولعلنا انطلقنا من هذا الموقف، ليس بهدف خالف تعرف، بل بالاستناد إلى النتائج التي انتخب شارون من أجلها، والتي نادت بضرورة وقف الانتفاضة الفلسطينية وتحقيق الأمن للإسرائيليين، فلسان حال الواقع يبين أن شارون رغم استخدامه كل الوسائل والأساليب القمعية لم يوقف الانتفاضة ولم يحقق الأمن، بل أكثر من ذلك أن السور الفاصل يبنى تحت سلطته وتحت ناظريه دون أن يحرك ساكناً وهو الذي نادى على الدوام بأرض إسرائيل الكبرى، «أريتس إسرائيل». بكلام أكثر دقة وأكثر موضوعية، أن الناخب الإسرائيلي هو ذات الناخب الذي انتخب نتانياهو وأسقطه وهو الذي انتخب باراك وأسقطه، وهو ذاته الذي انتخب شارون وحمله المسئولية لكنه فشل في حملها على ما يبدو وقد لا نفاجأ إذا ما أسقطه، على ذات المحاكمات التي جرت لأسلافه، نتيجة فشله في التعامل مع الأزمة، وعدم تمكنه من تحقيق ما وعد به من إنجازات. بموازاة ذلك، صحيح أننا لا نلحظ هذه الأيام، احتجاجات وتحركات جماهيرية واسعة، كالتي شهدناها في الثمانينيات والتسعينيات، إلا أن ما يجري هذه الأيام عشية الانتخابات، يعتبر بحد ذاته نقلة نوعية في تاريخ إسرائيل السياسي، فالجانب الأكثر أهمية في التحركات الجارية على قلتها، وما تحمله من شعارات سياسية غير مسبوقة، تعتبر مؤشراً على بوادر تحولات جذرية على صعيد المواقف التقليدية التي كانت تستند إليها حتى الآن المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة في صياغة توجهاتها السياسية والاستراتيجية حيال القضية الفلسطينية بخاصة والصراع العربي ـ الصهيوني عامة. فإذا كانت تقتصر الشعارات في الماضي على فئات وشرائح محدودة الأثر والفاعلية في الجسم السياسي الإسرائيلي ككل؛ فإنها الآن باتت تتجاوز تلك الأوساط التي يعتبرها البعض راديكالية يسارية، لتتوسع في دائرة أكثر اتساعاً في الأوساط الصحفية والأكاديمية وحتى العسكرية وبعض السياسيين المعروفين بانتماءاتهم إلى تيار الوسط، أي إلى الطبقة الوسطى في إسرائيل. وقد لا نغالي القول، إذا ما قلنا أن شارون ليس قدراً في الانتخابات القادمة، وأن جملة من المتغيرات، من قبيل التحالفات الانتخابية، قد تحدث تغيراً دراماتيكياً في الخارطة الحزبية ـ السياسية الإسرائيلية، خاصة وأننا ندرك أن الأصوات الجوالة أو الذي يسميها البعض المبعثر والطيارة غالباً ما كانت تحدث في آخر لحظة تغيراً أو انقلاباً في قوائم الانتخابات، ولعل العشر سنوات الماضية كانت الأوضح في هذا الجانب، بحيث يعيش المرشحون لأخر لحظة في دائرة خطر السقوط رغم التطمينات التي يتلقونها في اللحظة الأولى لرصد الأصوات الانتخابية. وقد لا نغالي القول أيضاً، إذ ما اعتبرنا أن الأيام القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت الانتخابية، خاصة بعد أن تشتت الكثير من الأصوات الانتخابية بفعل رمادية المواقف السياسية ليس عند العمل والمركز، بل وفي صفوف اليمين وتحديداً حزب الليكود نفسه، وهذه العملية بالذات تأتي مع الفضائح المالية الكبرى التي ألمت بالليكود بحيث دخل الليكود حلبة الصراع الانتخابي بفضيحة لا يمكنه الفكاك أو التهرب منها، بحيث ستؤثر على الصوت الانتخابي، وأن هذه الفضيحة تأتي بالتزامن مع جملة الأزمات الاقتصادية الحادة التي تحمل معها الكثير من مؤشرات التدهور في العام الجاري والقادم على حد سواء. بالمقابل علينا أن لا نغفل من أجندتنا موقف اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الذي يميل بنسبة 67% نحو ضرورة إيجاد تسوية سياسية مع الفلسطينيين، أكثر من ذلك يميل لسياسة وتوجهات حزب العمل باعتبارها من وجهة نظره، السياسة الأمثل للخروج بإسرائيل من المأزق الذي تعيشه، دون أن نقلل بطبيعة الحال تأثير هذا اللوبي الذي يحمل جنسيات مزدوجة، وهو قادر على ما يبدو على توجيه دفة الانتخابات ولو من خلف الستارة. لكن بمعزل عن التكهنات، يبقى صندوق الانتخاب الفيصل في من سيفوز بالانتخابات العامة التي ستفتح صناديقها في 28من الشهر الجاري. والأمر الأكثر أهمية حتى لو نجح شارون فليس في مقدوره التطرف أكثر نحو القوى التي تقبع على يمينه، لأنه سيفقد حزبه هويته الصهيونية القومية، ولعل تجربة العمل في السنوات الماضية تخيفه هو الآخر. ـ كاتب فلسطيني