الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 يتراءى لك وأنت تزور المملكة العربية السعودية هذه الأيام أن التاريخ الموغل في القيم والجغرافيا المضطربة أفقاً والهوية الوطنية والقومية المستنفرة جميعاً تتحدى مجتمعة مخاطرة قراصنة الدفع بها إلى المجهول. ثمة من خطف العروبة في غفلة من نفسها وثمة من خطف الاسلام في لحظة الاستئناس بالمجد القادم وثمة من يخطط لخطف كنوز الجغرافيا الصفراء والزرقاء والأسود منها بشكل أخص والقدم أخطر! جنادرية هي المناسبة وإسلامية هي البلاد وإيرانية هي العيون. ثمة حشد شعبي وحكومي ونخبوي للدفاع عن ثلاثة: التوحيد أي توحيد الجزيرة العربية والخيار الاسلامي أي القراءة الإسلامية لنظام الحكم والحياة العامة وفلسطين أي حق الامة والبلاد حكومة وشعباً في الدفاع عن خيار الفلسطينيين في المقاومة لاسترداد الحقوق والقضايا الثلاث الآنفة الذكر كانت هي الموضوعات الرئيسية الحاضرة عند كل من التقيناه على انفراد أو خاطب الجمهور العام اثناء الندوات العامة. وهم يشعرون جميعاً بأن التحدي المطروح أمامهم هذه المرة مصيري ويريد النيل منهم في الصميم. شيخ الادباء الجليل عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري اضاف نكهة خاصة على المناسبة عندما حدثنا مطولاً عن «التساؤلات العديدة التي أجهدته وهو يحاور التاريخ» وهي اشارة واضحة فهمناها دعوة لاعادة تنقيح التاريخ وقراءته قراءة اكثر شجاعة بما ينتفع منه لوأد الفتن بين أطراف الأمة المختلفة وأجنحتها ومدارسها المذهبية والفكرية المختلفة. وقد كان التويجري واضحاً وشفافاً اكثر من مرة عندما قال: ان قتلة الفاروق وعثمان وعلي والحسين يعيشون بيننا الآن كما عاشوا بيننا خلال التاريخ، وان علينا مكافحتهم ووضع حد لحضورهم غير المبرر في السياسة أو الاعلام بما فيها الفضائيات المقسمة للأمة. أما شيخ الشعراء والسفير السابق والوزير المتوج حديثاً الفاضل غازي القصيبي والذي اتحفنا بقصائده الرائعة في أمسية شعرية وصلت بين الاصالة المعاصرة والحس المرهف لتحديات الأمة فإنه أضفى نكهة اصلاحية على منهج تناول الفكر الديني بالتحليل والجرح والتعديل عندما التقيناه على انفراد وهو يحدثنا عن ضرورة «الثورة» في مناهج قراءة الفكر الديني وهي عنوان كتابه الأخير «ثورة في السنة النبوية». وأما الامير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز وهو الامير الشاب الذي اعتدنا على زيارته كلما زرنا المملكة منذ ان تعرفنا عليه في أمسية شعرية موسيقية حافلة في أصفهان، فقد كان شديد الوضوح في مطالبته النخب الاسلامية والعربية للخروج من حالة الاسترخاء والاستكانة للوضع الموجود سياسياً وفكرياً وعلمياً وثقافياً شارحاً لنا بالتفصيل طموحاته في مجال التجديد والعصرنة في الادارة واستثمار الفرص وأيضاً الحاجة الماسة للنهوض بمقولة اليقظة الإسلامية من الطريقة التي باتت تقليدية الى طريقة أكثر افادة وأكثر نفعا بما يتجاوز حالات التفرد بهذه الرؤية أو تلك لقضايا الأمة. وثمة «خيمة بدوية» جمعتنا مع اخوة لنا في الهم والاهتمام الفكري والاعلامي والسياسي بينهم امراء شباب ابدعوا جميعا في مجال ضرورة اسدال الستار على كل ما كان سببا في الفرقة بين الايرانيين والعرب وكل ما كان سببا في الفرقة بين طوائف الأمة ومدارسها المذهبية والأهم من هذا وذاك ربما ضرورة الاستعداد لمرحلة التحدي الجديدة التي «سوف لن تفرق بين شيخ وشيخ ولا بين سني ولا شيعي ولا بين عربي ولا ايراني بعد ان اصبحنا كلنا في مركب واحد اما ان ننجو معاً أو سنغرق جميعاً لا محالة». كما قال الأمير المهندس الشاب بكل شفافية ووضوح وشجاعة رأي. واذ ننسى فلن ننسى حديث وزير الشئون الدينية والاوقاف فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ وهو يقدم لمحاضرته «هذا هو الاسلام» عندما قال ما مضمونه بأن ما سيقوله قد يكون نتيجة تأثره بالبيئة السعودية أو تأثره ببيئة المذهب الذي تعلم فيه أو تداخل عوامل اخرى لكنه سيظل جزءا من مدرسة الاسلام العامة التي تتحمل مدارس اجتهاد مختلفة. وهو ما عاد ليؤكده بعد انتهاء المحاضرة وهو يرد على تساؤلات العديد من المفكرين والمعلقين والناقدين من الاعلام وبينهم فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري من ايران حيث كانت الحوارات بينهما اضاءة جديدة على التحول الذي تعيشه المملكة العربية السعودية في مجموعها في اطار التشجيع المتنامي لقبول الرأي والرأي الاخر. وأما اوبريت «يا خيول الفجر» التي قدمتها لنا الجنادرية مبتدئة حفلها الثقافي المميز فقد كانت هي الأخرى سيمفونية رائعة من سيمفونيات حوار الثقافات والحضارات الذي يبدو ان صناع القرار الشعبي والنخبوي السعودي كما الحكومي باتوا يضعونه في سلم أولوياتهم. وأما قصة ارتباط كل ذلك أو علاقته بالحرس الوطني، والذي هو مؤسسة عسكرية وأمنية قبل ان تكون مؤسسة ثقافية فانه اكثر ما اثر في صاحبي وصاحب المقام الرفيع الذي شاركني هموم واهتمامات الزيارة والحوارات وأدهشه ان تكون راعية كل هذا العطاء الحواري والثقافي مثل تلك المؤسسة النظامية فقد علق فيما علق على هذه الظاهرة المتميزة وهو يتابع حلقاتها بشغف بالقول: «المعروف عن العسكر ومن يملكون صناعة قراره انهم يحاولون دائما الدخول ولو عنوة الى دائرة الثقافة والمثقفين في سعي منهم لتطويع المادة وأهلها وغالبا ما يعسكرون كل المناخ، لكن ان يقوم هذه المرة اصحاب القرار بخطوة تثقيف العسكر او جعلهم مادة لمناخ ثقافي متميز يسهم بشجاعة في اضفاء جو الحوار والتعددية في الرؤى فهذا انجاز كبير يستحقون الثناء عليه». منذ ان تعرفنا عليهما اي عبدالرحمن السبيت وفيصل بن عبدالرحمن بن معمر وهما حريصان على التواصل مع الآخر سواء القادم من بعيد او القادم من دائرة الجوار، ومعهما ثلة متميزة من المبادرين المتعلمين المصممين على ابقاء شعلة الحوار مع الآخر مضيئة. وهم عماد الجنادرية التي عرفناها. جنادرية بتنا نعتقد انها ليست فقط اداة ووسيلة مفيدة للحوار مع الآخر بل وآلية ناجعة لنقل السعودية من دائرة التحدي الى دائرة صناعة الجديد والمتجدد في الفكر الاسلامي. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني