الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 في صمت وهدوء.. مرت الذكرى الخامسة والثمانين لميلاد جمال عبدالناصر. بالطبع كانت هناك احتفالات ولكنها من النوع الذي يليق بأمة تحت الحصار. فالأساطيل الأميركية والبريطانية تحتشد للانقضاض على العراق، والقواعد العسكرية الأجنبية أصبحت محلا لتفاخر بعض المسئولين العرب بعد أن كانت وصمة عار تخوض الشعوب القتال للخلاص منها، وفلسطين برسم التهويد وشعبها يتعرض للمذابح النازية الاسرائيلية والعالم يخفي عيونه ويسد آذانه، والاحساس بالعجز العربي لم يعد موضع مناقشة بعد أن أصبح الشعار الرسمي للنظام العربي انه بلا حول ولا قوة! وسط هذا المناخ الكئيب تمر الذكرى الخامسة والثمانون لميلاد عبدالناصر في هدوء، ولكنه الهدوء الذي لا يخفي أن الرجل مازال هو الحاضر الكبير في المشهد العربي بعد أكثر من ثلاثين عاما على رحيله، ومن المحاولات المستميتة لمحو صورته من ذاكرة الأمة حتى لا تتذكر أياما كانت فيها قادرة على أن تتحدى قوى الاستعمار حتى تنال استقلالها، وأن ترفض الاستغلال وتصفي القواعد وتواجه محاولات الهيمنة وتبدأ مسيرة النهوض والتنمية وتكتب ـ من وسط النار والعرق والدموع ـ تاريخا عربيا جديدا. الحاضر الكبير تمر الذكرى الخامسة والثمانون لميلاد الرجل الذي قاد الأمة في واحدة من أعظم معارك الحرية والاستقلال والوحدة..بكل مافيها من انتصارات وهزائم، ومن مكاسب وخسائر، ومن تقدم وانتكاسات. تمر الذكرى في هدوء خشية أن يفتضح الجميع بمن فيهم من عجز ومايقبلونه من هوان، ومع ذلك فان الراصد لابد أن يلمح علامات مهمة على طريق استعادة ذاكرة الأمة وقدرتها على مواجهة الخطر وقبول التحدي، وهزيمة روح الهزيمة التي تنخر في صلب النظام العربي. عشية الذكرى.. خرجت تظاهرة محدودة في القاهرة الى مجلس الشعب سمحت فيها السلطات لممثلي العمال والأحزاب السياسية أن يعلنوا معارضتهم لقانون جديد للعمال يناقشه المجلس. وكان اللافت أن المتظاهرين كانوا يرفعون صور عبدالناصر.. الرجل الذي أنصفهم وقاد خطاهم ليس فقط لاستعادة الكرامة الوطنية، وانما أيضا لاستعادة كرامة الانسان ـ بعد تحرير وطنه ـ بأن يعمل ويحصل على ناتج عمله، وأن يعيش آمنا على يومه وغده. وقبلها.. كانت كل تظاهرات الاحتجاج على مؤامرة ضرب العراق واحتلال أرضه، وكل المسيرات التي شهدتها القاهرة دعما للانتفاضة وادانة للمذابح الاسرائيلية تشهد نفس الظاهرة.. صور عبدالناصر في أيدي الناس وفي وجه المعتدين وأمام عيون الخائفين لعل الجميع يرى ويتذكر و.. يقتدي! عند رحيل الرجل قبل أكثر من ثلاثين عاما، خرجت الأمة كلها تبكي بطلها. قلب الألم والفجيعة أنشد الناس يومها أنشودة الوداع:« ياحبيب الملايين.. ماشيين في طريقك ماشيين». واندلعت الأنشودة لتسيطر على الموقف كله وليصبح لحنها هو الخلفية الحزينة لموكب الرحيل. وأخفى المشهد الحزين الهائل لوداع عبدالناصر، أنشودة حزينة أخرى انطلقت على استحياء يومها وحملت كل مخاوف الفقراء وشكوك المدركين لهول الأحداث القادمة. لعلها امرأة رقيقة الحال أو عامل عرف الكرامة مع الرجل الذي رحل، أو مثقف وقف معه أو ضده ولكنه يدرك أنه كان يمثل له شيئا عزيرا وهو الكرامة الوطنية. لعله (أو لعلها) واحد من هؤلاء هو الذي خرج عن اللحن الأساسي للوداع لينشد أنشودته الخاصة: ناصر ياعود الفل من بعدك حنشوف الذل والغريب أن الأنشودتين معا عبرتا بصدق عفوي عن مجرى الأحداث بعد ذلك. سارت مصر والعرب جميعا على طريق عبدالناصر حتى كانت حرب أكتوبر، وانتصرت الأمة على هزيمتها السابقة وكسرت أسطورة التفوق العسكري الاسرائيلي واستعادت زمام المبادرة في حربها التحريرية، واستعادت أيضا السيطرة على ثرواتها البترولية المنهوبة، وفتحت أبوابا للتنمية والتقدم كانت مغلقة لوقت طويل. وفي هذه اللحظة، وبينما الآمال تتصاعد بأن يكون نصر أكتوبر هو البوابة نحو عصر عربي جديد تتحرر فيه كل الأرض وتعود فيه الارادة المستقلة، وتترسخ فيه دعائم النهضة، وتسقط فيه الحدود المصطنعة والخلافات الموروثة بين الأقطار العربية لتدخل العصر الجديد وهي كيان قوي سياسيا واقتصاديا وعسكريا. في هذه اللحظة بدأت علامات التراجع التي قادت بعد ذلك الى انهيار كل هذه الآمال.. انفض تحالف أكتوبر، وبدأت الولايات المتحدة حربها لضرب كل مصادر القوة العربية. وذهب السادات الى كامب ديفيد والصلح المنفرد، وقادت واشنطن تحالف الأقوياء للاستيلاء مرة أخرى على سوق البترول العالمي، وتوالت الصراعات العربية ـ العربية، وتبددت القوة العربية في حروب أهلية أو صراعات قطرية، وكان طبيعيا ألا يستطيع أحد أن يملأ الفراغ الذي أحدثه خروج مصر من الصراع مع اسرائيل. لحظة التحول العالمي وهكذا عندما جاءت لحظة التحول العالمي في نهاية الثمانينيات بانهيار الاتحاد السوفييتي واستفراد الولايات المتحدة بالقوة والنفوذ العالميين.. كان العرب في أسوأ حالاتهم، وعندما وقعت كارثة الغزو العراقي للكويت كان العرب أعجز من أن يواجهوا الموقف ويفرضوا الحل العربي، وعندما دخل الفلسطينيون نفق أوسلو لم يكن ذلك فقط لخطأ في الحسابات الفلسطينية، بل أيضا حصيلة الخلل الذي حدث في موازين القوى العربية ـ الاسرائيلية، وحصيلة تسليم أوراق اللعبة لأميركا التي لم تخف يوما انحيازها الكامل لاسرائيل وضد العرب. ثم كان ما كان حتى وصلنا الى الوضع المأساوي الذي يواجهه العرب بعد أن وضعت أميركا الأمة العربية كلها في زنازين الاعتقال بعد 11 سبتمبر، لتقرر بمفردها مصير المنطقة وترسم خريطتها الجديدة وفقا لمصالحها وحدها، وعلى حساب العرب وبالتحالف مع اسرائيل. بالنسبة لمصر، لم يكن ممكنا السير في هذا الطريق، الا اذا رافقته تغييرات داخلية هائلة بدأت بما سمى سياسة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، واستمرت باصدار قوانين أساسية غيرت العلاقة بين المالك والمستأجر بالنسبة للأراضي الزراعية، وغيرت العلاقة بين العمال وأصحاب العمل في الصناعة، وقررت أن الدور الأساسي ينبغي أن يكون لرجال الأعمال، وأن خطط التنمية سينفذ القطاع الخاص الجزء الرئيسي منها، وأن القطاع العام هو العائق أمام أي تقدم اقتصادي، وأن تصفيته واجب وطني. وزاد من الاندفاع في هذا الطريق أمران: المعونة الأميركية الاقتصادية والتي كان الخضوع لشروط صندوق النقد والبنك الدولي لاعادة هيكلة الاقتصاد المصري شرطا للحصول عليها. ثم «هوجة» العولمة التي وجدت دول العالم نفسها مجبرة على الدخول فيها بعد ان نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون في فرضها.. وبشروطهم! الآن.. وبعد ربع قرن من التجربة، فالمراجعة واجبة، خاصة في ظل ظروف صعبة اقتصاديا، وفي ظل التهديدات الاميركية المستمرة بوقف المعونة أو باستخدامها سلاحا لابتزاز مصر وفرض مواقف تدرك مصر مخاطرها على مصالحها وعلى أمنها القومي، والأهم من ذلك.. الفشل الذي تواجهه هذه السياسات والذي لم يعد هناك مجال لاخفائه. ومنذ البداية.. لم يكن أحد ضد الانفتاح الاقتصادي على العالم، ولكن المشكلة كانت: هل يتم هذا الانفتاح وفق شروط تحقق أعظم الفائدة لمصر، أم يكون الانفتاح «على البحري» وبالطريق «السبهللي» الذي جعل «زبالة» البضائع المستوردة والمهربة تطارد الصناعة المصرية وتغلق أمامها كل رئات التنفس؟ ومنذ البداية.. لم يكن أحد ضد تعظيم دور القطاع الخاص. ولكن كانت المشكلة أي قطاع خاص يحظى بالرعاية والدعم؟ هل هم الصناعيون الذين يضيفون الى الاقتصاد الوطني ويفتحون أبواب العمل في دولة تحتاج لنصف مليون فرصة عمل جديدة كل عام.. أم هم أصحاب التوكيلات الذين لا يملكون الا مكتبا وسكرتيرة وعلاقات مشبوهة تتيح لهم ـ كما حدث ـ أن يستوردوا اللحوم الفاسدة والأسمنت المغشوش، وأن يضربوا الصناعة الوطنية بالتهريب أو الافساد أو المضاربة؟ ومنذ البداية.. لم يكن أحد ضد اصلاح القطاع العام الذي تحمل عبء التنمية وحده لسنوات طويلة، وتحمل معها عبء المعارك المتواصلة حتى حرب أكتوبر، ووفر لمصر قاعدة الصمود الاقتصادي التي مكنتها من مواجهة التكلفة العالية للمعارك التي فرضت عليها، واستطاع في نفس الوقت أن يحقق انجازات هائلة، وان تحمل معها اعباء عمالة زائدة ونقص التمويل بسبب ظروف المعركة. كان الاصلاح ممكنا ومطلوبا، وحتى عندما بدأ الخضوع لروشتة البنك الدولي وصندوق النقد والشروط الأميركية لفرض سياسة الخصخصة. كان المطلوب هو الشفافية في عمليات البيع، ومراعاة الصالح الوطني وعدم التخلي عن الصناعات الاستراتيجية، واتمام البيع بالسعر المناسب.. والأهم أن تذهب حصيلة البيع لبناء مصانع جديدة تضيف طاقات اقتصادية جديدة وتستوعب مئات الآلاف من الأيدي العاملة التي تستقبلها السوق المصرية سنويا. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث.. فالشفافية غابت، وبعض الأصول الاقتصادية بيعت بتراب الفلوس، وحصيلة البيع لم تذهب لبناء مصانع جديدة، والشروط التي فرضتها السياسات الجديدة منعت ضخ أي تمويل جديد لمصانع القطاع العام، مما أدى الى تدهور أوضاعها بصورة خطيرة. في نفس الوقت الذي أثبت القطاع الخاص عجزه عن الوفاء بدوره في خطط التنمية وتوفير العدد المطلوب من فرص العمل، ثم انفجر الوضع بالنسبة لهذا القطاع بفضائح الفساد التي طالت كثيرا من رموزه ووضعتهم في السجن أو تركتهم هاربين في الخارج بعد أن نهبوا ما استطاعوا من أموال البنوك. مراجعة شاملة هذه السياسات تبدو الآن محل مراجعة شاملة. وقبل أيام كتب مكرم محمد أحمد القريب من السلطة في «المصور» مقالا مهماً يكشف فيه عن أبعاد هذه المراجعة للسياسات الاقتصادية التي حكمت مصر على مدى ربع قرن. وهي مراجعة تكشف بلا شك عن افلاسها الكامل، وتعيد تصحيح أوضاع ألحقت أبلغ الأضرار باقتصاد مصر. فالخصخصة لن تكون الحل السحري لكل المشاكل اذا تحولت الى هدف في حد ذاته، واذا كانت نتيجتها ان تضيف الآلاف لصفوف العاطلين بدلا من توفير فرص عمل جديدة. وتخفيض سعر الجنيه المصري تحت وهم زيادة الصادرات لم يحقق الا اضافة أعباء جديدة على الاقتصاد الوطني، في الوقت الذي تتفنن فيه الولايات المتحدة وأوروبا في وضع العوائق أمام الصادرات المصرية، وتجربة الصين في الاحتفاظ بالقطاع العام وتطويره مع فتح الباب أمام القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية تلقى المزيد من الاهتمام، بالمقارنة مع المآسي التي شهدتها دول جنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية التي طبقت «روشتات» الخصخصة وفتحت أبوابها للمضاربات المالية الدولية التي تتم على حساب الدول النامية ولمصلحة الشركات العملاقة والدول الصناعية الكبرى. ولعل الظروف الخطيرة التي تمر بها المنطقة قد فتحت العيون لكي ترى الحقيقة التي كانت لا تريد أن تراها على مدى سنوات طويلة، فالحرب التي اعلنتها أميركا على العراق ثم على من تريد من العرب كشفت القناع كاملا عن سياسة أميركية استعمارية تريد الهيمنة الكاملة على الأرض العربية، والسيطرة الشاملة على الثروات والمقدرات العربية. وتدرك القاهرة الرسمية الآن ـ وأكثر من أي وقت مضى ـ خطورة الأوضاع التي تريد أميركا فرضها على المنطقة والتي ستعاني منها مصر طويلا.. فالأوضاع الاقتصادية ستزداد صعوبة اذا اندلعت الحرب، وفواتير الحرب سيدفعها العرب في النهاية في شكل بترول رخيص وصفقات سلاح لا حاجة لها وتنازلات سياسية ستفرض عليهم، وخريطة جديدة تتحول فيها الدول العربية الى شظايا متناثرة وتصبح فيها اسرائيل هي الكيان الأكبر والأقوى في المنطقة، والنوايا الأميركية المعلنة لتغيير الأنظمة العربية لا تستهدف مصلحة الشعوب العربية ولا تصدر عن حب مفاجئ لها ولا حرص على تمتعها بالديمقراطية والسلام والتقدم، وانما الهدف هو استكمال السيطرة واخضاع المنطقة لنظم عميلة واسكات أي صوت يعارض أو يتحفظ أو يطلب الحد الأدنى من الحقوق المشروعة والمسلوبة! انها لحظة فارقة في عمر المنطقة والعالم. أميركا تبني امبراطوريتها في ظل حكم يميني عنصري متعصب، والنظام العربي مكشوف بصورة لم يشهدها من قبل، والأمن العربي غائب، والبعض يزهو بأنه حول بلاده الى قاعدة عسكرية أميركية ينطلق منها العدوان الأميركي على العرب، والبعض مازال يفكر، والبعض يستعد لدفع الثمن. في هذه اللحظات تبدو المراجعة الشاملة للسياسات التي أدت الى هذه الأوضاع أمرا واجبا، ويبدو السؤال عن الارادة الغائبة ضرورة حياة، وفي هذه اللحظات عندما ترفع الجماهير صور عبدالناصر فانها لا تصدر فقط عن حنين لأيام مضت، بل عن تصور لأيام قادمة لن ينقذ العرب من براكينها وزلازلها الا أن يستعيدوا الارادة ويثوروا على العجز ويرفضوا الهوان. و.. سلام على الذي رحل عن عالمنا قبل أكثر من ثلاثين عاما، ومازال حيا في قلوب الناس وعقولهم.. سلام على «أبوخالد» في ذكراه. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية