السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 أن تفعل ما يجب أن يكون وفق أسباب ونتائج محسوبة بمعادلات العقل فذلك هو المنطق الذي ما عاد معمولاً به في هذه الأيام.. وأن تتصرف وفق ما يمليه عليك فهمك للأمور، والطريقة التي تزيل بها ملابسات الظروف والأحداث وبحساباتك الخاصة فذلك هو الواقع.. وهناك فرق شاسع بين المنطق والواقع! ما نعيشه اليوم من أزمة طاحنة تجري فصولها ما بين أروقة مؤسسات صنع القرار في واشنطن وأرض العراق يمثل أقصى درجات التباين والقطيعة ما بين المنطق والواقع، فهذا الذي يدور حولنا، وما يموج على أراضينا من حشود وجنود وتظاهرة القوة التي لا مثيل لها، وهذا الذي يدبر لنا: ان من امامنا او من خلف ظهورنا بكل الفجاجة واحقاد القرون الوسطى، ليس من المنطق في شيء، ولكنه الواقع الذي نعيشه باستسلام ونتقبله بذهنية الدروشة السياسية المسيطرة على الأمة حكاماً ومحكومين! الدروشة الدينية يمثلها ذلك الفقير الذي استقال نهائيا من فعل العمل والاجتهاد في سبيل تحصيل الرزق، مقتنعاً بأن الله سيرزقه وهو جالس على الطريق يدعو الله ويتضرع له، فما كان من الخليفة عمر بن الخطاب إلا أن حطم قناعته في ثوان معدودة حينما دفعه وبعنف نحو العمل صارخاً في وجهه بأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة! الدروشة السياسية هي ما تعيشه شعوب المنطقة العربية وما تعيشه الأنظمة السياسية ايضاً، فجميعنا اليوم نتصرف وفق قناعة بليدة بأننا أناس لا حول لنا ولا قوة أمام قوة الولايات المتحدة الأميركية، وبأننا مهما قلنا ومهما فعلنا، فإن هذا الفعل وذاك القول لن يغير من الأمر شيئاً، فأميركا غالبة في كل الأحوال ونحن مغلوبون على طول الخط، الحرب قائمة ان لم تكن اليوم فغداً، وإذن فما علينا سوى انتظارها وما ستسفر عنه، وما ستقرره الولايات المتحدة ودول أوروبا لنا بشأن مصيرنا!! هذا هو الواقع لكنه الواقع الذي لا منطق له سوى منطق القوة الأميركية!! بالأمس ألقى صدام حسين خطابا بمناسبة ذكرى حرب الخليج الثانية (يناير 1991) قال فيه بأن العراق كله حكاماً ومحكومين سيكونون بالمرصاد لمغول العصر (الأميركان) عند بوابات بغداد التي لن تستسلم أبداً، بل ستنهض من كل هذا البلاء والحصار لتعاود لعب دورها المجيد الذي غابت عنه قروناً طويلة! في خطاب صدام يبدو اللعب واضحاً بالألفاظ والعبارات، كما يبدو العزف على وتر المشاعر العربية واضحاً، لكن الأوضح هو التباين والاختلاف بين الواقعية السياسية والمنطق فيما ذهب إليه الرئيس العراقي. إذا كان العراق قويا بما فيه الكفاية كي يقف نداً لمغول العصر من جنود أميركا عند بوابات بغداد، فلماذا يصمت ويحتمل كل هذا الامتهان وبعثرة الكرامة؟ وهل أبقت أميركا ونظام صدام شيئاً من الكرامة والسيادة للعراق والعراقيين؟ هذه اسئلة المنطق، فمن المنطق أن نسأل عن أي وطن وأي تاريخ سيدافع العراقيون ضد الأميركان، عن الوطن الذي وفر لهم الأمان والكرامة والعيش المستقر، أم عن الوطن الذي احكم عليهم الخناق، وشتتهم في منافي الدنيا يبحثون عن الأمان ولقمة العيش؟ أما من بقي فهو في سجن الوطن محكوم بالقمع والارهاب إلى ان يأذن الله بالفرج؟ عن أي دور يتحدث صدام وعن أي أمجاد، أمجاد القهر والحروب والحصار، أم ليالي الجوع والهروب والخوف؟ على ماذا يراهن صدام ـ حسب منطقه ـ وهو يهدد أميركا بأعلى صوته، على شعب يكره قيادته ويريد الخلاص منها؟ أم على بقية انتماء لوطن فتته القيادة وعبثت بمقدراته وقادته نحو الهاوية؟ أين المنطق في خطاب صدام في مواجهة كل هذا الواقع المظلم؟ المنطق أن لا يؤول مآل 260 مليون عربي إلى هذا الانحطاط، والمنطق ان لا نقبل بكل هذا الذي يدبر لنا في وضح النهار، والمنطق ان لا ندافع عن انظمة تغتال كرامة شعوبها وتقود الاوطان نحو الدمار، لكن الواقع يقول شيئاً آخر تماماً ويجعل الدروشة ذهنية سائدة إن في الدين أو في السياسة.