السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 تلتقط أعيننا وأسماعنا بشكل يومي الكثير من المواقف الحياتية المثيرة، في زمن متسارع، لا وقت لديه للاستجداء والتوقف الاجباري، ورغم ذلك يقف البعض منّا عند محطات التأمل في محاولة لاهثة لالتقاط الأنفاس. وبين الوقفة والأخرى تتغير أحوال وتتبدل أفكار، بعضنا يواصل اللهاث، وبعضنا يتشبث بآخر المغادرين، بعضنا يقف متسمراً أمام الوجوه الموسومة بالرحيل، بينما لا يجد آخرون سوى استنساخ أنفسهم والوقوف أمام المحطات الغائبة. وأمام تلك التراكمات من الوجوه والأشكال والصور والمعلومات والمنتجات في هذا الزمن المتلاحق والمتواصل والمتشابك، نقف فنسأل عن أصحاب تلك الأفكار المثيرة التي ترسم شكلاً آخر للحياة، وفي كل مرة نسقط لأننا لا نعرف من هؤلاء سوى منتجاتهم التي أصبحت من تفاصيل حياتنا اليومية. في العام الماضي شهد القضاء البريطاني أكبر قضية لسرقة الأفكار، حيث أرغمت احدى الشركات الكبرى على دفع تعويض قدره 4 ملايين جنيه استرليني لصاحب اختراع سرقته الشركة دون اذنه.. وكان المخترع البريطاني جيمس دايسون الذي يبلغ من العمر 54 عاماً قد اخترع مكنسة كهربائية تقوم بالتنظيف بقوة محرك مزدوجة من دون الحاجة لأكياس تعبئة قمامة، وقد طالب الشركة بدفع تعويض مالي قدره مليون جنيه استرليني مقابل استخدام الشركة لهذا الاختراع، إلا ان الشركة رفضت، فتقدم بدعوى قضائية استطاع من خلالها استرداد حقه الفكري والأدبي والمالي. والسؤال الذي يطرح نفسه عميقاً: هل يجد أصحاب الأفكار ضماناً لحقوقهم في زمن الاستنساخ؟ كثيرون في هذا العالم المترامي يعتقدون أن أفكارهم سرقت منهم، وأن الكثير من المشاريع الملموسة هي في الأصل ليست لمنفذيها، بل سرقت نهاراً جهاراً كما يقال، والدليل على ذلك القرار الذي اتخذه مجلس النواب الأميركي بتصحيح معلومة ظلت غائبة عن الرأي العام العالمي حوالي 113 سنة، حيث قرر المجلس اعتبار الايطالي ـ الأميركي انطونيو ميوتشي مخترع الهاتف وليس الأميركي من أصل اسكتلندي الكسندر غراهام بيل كما هو شائع! فهل كان بيل سارقاً للأفكار؟ الايطاليون الذين يعشقون البيتزا والمرأة الجميلة والثرثرة يشيرون وبكل فخر إلى أنهم أصحاب الفضل في هذا الاختراع المثير، وان الفضل يجب أن يعود إلى ميوتشي الذي مات فقيراً معدماً، وان غراهام بيل سلب الرجل حقه وفضله. والحكاية ان ميوتشي لم يتعلم اللغة الانجليزية بشكل يجعله يتواصل مع مجتمع الأعمال الأميركي الذي تتنازعه المصالح، اضافة لعجزه وعدم مقدرته على جمع الأموال اللازمة لمصاريف معاملات طلب براءة الاختراع، رغم تحرك الحكومة الأميركية لالغاء براءة الاختراع الممنوحة لبيل على أساس من الغش وتحريف الحقائق، إلا ان وفاة ميوتشي أحالت القضية الى الحفظ. وكان ميوتشي قد أصيب بحروق بالغة في العام 1870 جراء حريق نشب على متن زورق ركاب، وأمضى ثلاثة أشهر في المستشفى، واضطر إلى اللجوء للضمان الاجتماعي، فأصبح يقبض مبلغ 15 دولاراً في الأسبوع، وفي العام 1871 توجه إلى المحكمة لاستصدار تحذير من استعمال اختراعه بدلاً من استصدار طلب براءة الاختراع المكلفة، وذلك بعد أن رفض مواطنوه الايطاليون اقراضه 200 دولار تكاليف الطلب.. وعندما علم أن بيل حصل على براءة الاختراع بعث برسالة إلى محاميه، وبدأ حملة في الصحف تكللت بالنجاح، حيث اتخذت الحكومة الأميركية موقفاً مؤيداً له، غير ان وفاته حفظت القضية وجمدتها 113 عاماً. وقريباً من ميوتشي، وبعيداً عنه عرفت البشرية مخترعاً آخر نعته تلاميذ مدرسته ومعلموه بالأحمق، ولم يكن هذا الأحمق سوى جيمس ماكسويل الذي ولد في أدنبرة عام 1831، وكان الطفل الوحيد لأرمل غريب الأطوار، الأمر الذي انعكس عليه، إلا أن ماكسويل طوّر اهتماماته بالرياضيات والعلوم، فنشر أول ورقة بحث له حول أسلوب جديد لرسم المنحنيات الرياضية وهو في سن الرابعة عشرة. واستطاع ذاك الشاب النحيل غريب الأطوار أن يحل لغزين كان قد استعصى حلهما طويلاً، الأول كان يتعلق بطبيعة الحلقات المحيطة بكوكب زحل، والثاني ركّز على كيفية رؤيتنا للألوان، والحل الذي توصل إليه ماكسويل وضع الأساس لجميع أنواع التصوير الملوّن الحديث. إلا أن رحيل ذاك الرجل الغريب، الذي لم يكمل عامه الثامن والأربعين ـ إذ توفي في عام 1879 ـ أفقد العالم عبقرية علمية نادرة وانجازات لا ينافسها سوى أعمال اينشتاين ونيوتن. عموماً تظل الحياة بحلوها ومرّها بين أخذ وردّ، فإذا نسب الفضل لصاحب الفضل كان ذلك أبقى وأقوم، أما إذا وجد صاحب الحق الجحود والنكران وسرقة أفكاره وحقوقه الأدبية، فإن ذلك هو الموت الأكيد له ولغيره من المبدعين والمفكرين. لهذا قبل أن تسألوا عن غياب العبقريات والعقول والمبدعين والمخترعين في الوطن العربي، ابحثوا عن لصوص وسارقي الأفكار، إذا ما مات هؤلاء نهض أولئك!