السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 رئيس وزراء تركيا عبدالله غول يقوم بجولة تشمل السعودية ومصر وسوريا والاردن وايران يدعو خلالها الى ايجاد حل سلمي للأزمة العراقية عن طريق التشاور التركي مع هذه الدول الخمس. وفي كل عاصمة يحرص رئيس الحكومة التركية ان يقرن تصريحاته الاعلامية باستدراك مفاده ان أمر أية تسوية سياسية يعتمد على «تعاون الرئيس العراقي». في اعقاب الجولة التركية تنقل وكالة الأنباء الفرنسية عن «مصادر دبلوماسية عربية» في القاهرة ان تركيا تعمل مع دول عربية «على اقناع الرئيس العراقي صدام حسين بالذهاب الى المنفى لتجنب الحرب». في الوقت نفسه يصرح زعيم عربي بأن هناك «جهودا اقليمية عربية وغير عربية تبذل بهدف تجنب الحرب ضد العراق» والتوصل الى صيغة «تقبلها الاطراف» بعيدا عن استخدام القوة. في اليوم التالي مباشرة تعلن الحكومة التركية أنها وجهت دعوة رسمية الى كل من الدول الخمس المذكورة آنفا لعقد اجتماع في انقرة «للبحث عن حل سلمي للأزمة العراقية». ماذا يعني كل هذا؟ الاستنتاج اوضح من الشمس. هناك صفقة ما رهن الاعداد مفادها أن تلغي الولايات المتحدة خطتها لشن حرب على العراق في مقابل ان يقبل الرئيس العراقي صدام حسين بالتخلي عن السلطة نهائيا. فما هو مغزى هذه الصفقة.. و كيف تترجم الى الواقع.. وما هو موقف ادارة بوش منها؟ ابتداء نستطيع ان نقول من باب التلخيص لقرائن الاحوال ان المقصود من الصفقة هو انقاذ الرئيس الأميركي بوش من حرج اكثر منه انقاذ العراق من حرب. ان الرئيس بوش يجد نفسه الآن في مأزق يحيط به من كل جانب.. فهو لا يستطيع ان يقرر الحرب كما لا يستطيع الغاء الحرب لأنه في الحالة الأولى سوف يواجه عاصفة من المعارضة الدولية وفي الحالة الثانية سوف تسقط هيبته ازاء الشعب الأميركي. ان المعارضة الدولية ضد الحرب تتنامى يوميا خاصة في الغرب وبوجه اخص داخل الولايات المتحدة على الصعيدين الشعبي والرسمي. ويبدو الآن ان الادارة الاميركية فقدت السيطرة على الموقف مع انتقال زمام المبادرة بالكامل تقريبا الى مجلس الأمن الدولي. ويعلم الرئيس بوش علم اليقين ان القوى الدولية الرئيسية داخل المجلس عازمة على احباط اي مبادرة تجاه العمل العسكري. ويعلم في الوقت نفسه ان مصير المسألة العراقية بات مرتهنا بالكامل الى عملية التفتيش الدولية عن اسلحة الدمار الشامل.. وهي عملية يقدر لها ان تمتد الى ما بين ستة شهور و12 شهرا. وحتى لو اراد الرئيس الاميركي ان ينتظر لمدى هذه الفترة الطويلة فان النتائج النهائية للعملية قد لا تأتي كما تشتهي واشنطن. فالمفتشون الدوليون قد يبرئون العراق عند نهاية المطاف فيبطل بذلك اي مبرر لشن حرب حتى لو كان مبررا مغلفا. كيف اذن يخرج بوش من مأزقه، كيف يبرر للشعب الأميركي قرارا بالغاء فكرة الحرب؟ جولة رئيس الحكومة التركية في المنطقة للتشاور حول ايجاد «مخرج سلمي» تبدو في ظاهرها مبادرة تركية خالصة.. وكذلك تبدو الدعوة التركية الى اجتماع انقرة المرتقب لكنها اغلب الظن ليست كذلك. انها في الغالب مبادرة أميركية كلفت الحكومة التركية بتسويقها وترتيب اجراءاتها. فلماذا وقع اختيار واشنطن على تركيا تحديداً؟ لأن تركيا سوف تكون اكثر الدول تضررا في حالة قيام حرب اميركية ضد العراق. وهذا الضرر سوف يتخذ شكل انفجار سياسي داخلي. فجهاز الحكم منقسم عى نفسه بين معارضة الحرب وتأييدها. فالبرلمان والحكومة اللذان يسيطر عليهما «حزب العدالة والتنمية» يتخذان موقفا معارضا في مواجهة مجلس جنرالات الجيش ورئيس الجمهورية اللذين يؤيدان الحرب اذا قررت الولايات المتحدة خوض غمارها. واذا أخذنا في الاعتبار ان هناك معارضة شرسة للحرب على الصعيد الشعبي العريض فان تركيا سوف تكون موعودة حتما بانفجار داخلي واسع النطاق في حال اندلاع الحرب. ولأنه لا أحد في تركيا يريد هذا المآل فان تركيا باتت اكثر الدول حرصا على منع الحرب انطلاقا من اعتبارات استقرارها الداخلي. ومن هنا كان تكليفها اميركيا بتسويق فكرة اعتزال الرئيس العراقي الحكم في مقابل اعتزال الرئيس الاميركي اختيار الحرب. فهل يقبل الرئيس صدام حسين بالصفقة المقترحة؟ هذا سؤال لا يستطيع ان يجيب عنه سوى الرئيس صدام شخصيا. جل ما يمكن قوله في هذا الصدد هو ان من المحتم ان الحكومات التي تتبنى مشروع الصفقة سوف تحرص على تقديم الفكرة الى الرئيس العراقي في اكثر الاشكال جاذبية وأقلها اساءة.. جنبا الى جنب مع ضمانات قوية كأن يتولى السلطة ابن الرئيس.. وان يبقى الرئيس داخل العراق.