السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 حملة التمييز العنصري الاسرائيلية ضد ترشيح عزمي بشارة واعضاء حزبه (التجمع الوطني الديمقراطي) واحمد الطيبي لعضوية الكنيست، بغض النظر عن «التسوية» بين السلطتين السياسية والقضائية التي شكلها قرار المحكمة العليا في وقت لاحق، تكشف المضمون الحقيقي لـ «الديمقراطية الوحيدة» في المنطقة بحسب التوصيف الاميركي لاسرائيل.. انها ديمقراطية لليهود، وديكتاتورية للعرب. وان يتم ذلك بعد اسابيع فقط من اعلان خطة وزير الخارجية الاميركي كولن باول لـ «دمقرطة» العالم العربي باسم «الشراكة الاميركية - الشرق الاوسطية»، فهو يرسم علامات استفهام كبرى ليس حول خطة باول فحسب وانما ايضا حول هدف هذه الخطة بل واصلا حول المفهوم الاميركي للديمقراطية. فأية «ديمقراطية وحيدة» في المنطقة هي هذه الديمقراطية الاسرائيلية، وأين يقع إذن المقياس الذي يمكن من التمييز بين ان تكون الدولة ديمقراطية وان تكون دولة يهودية في وقت واحد ؟. نسيج شاذ لا يطالب بشارة والطيبي، ولا غيرهما من الزعماء العرب في مناطق الـ 1948، الا بأن تكون اسرائيل «دولة لكل المواطنين»، اي بما في ذلك المليون ومائتا الف عربي الذين يعيشون تحت حكم تلك الدولة ويشكلون عشرين في المئة من السكان فيها، تطبيقا لأبسط مبادئ الديمقراطية التي تتغنى بها اسرائيل وتتغنى بها معها الدول الغربية عامة والولايات المتحدة بشكل خاص. لكن تمسك هؤلاء بهويتهم الفلسطينية، وتأييدهم لاشقائهم فيما وراء الخط الأخضر الذين يتعرضون لحرب ابادة شاملة تشن ضدهم ويناضلون بكل الوسائل - بما فيها السلاح - لاقامة دولتهم المستقلة، جعلا منهم متهمين بالعداء لاسرائيل وحتى «خونة» لديمقراطية تلك الدولة التي لا تعني في التطبيق، كما في العرف، الا انها ديمقراطية لليهود وحدهم... لأن الدولة دولة يهودية اولا وقبل كل شيء. ولا يدعو بشارة والطيبي، ولا غيرهما من فلسطينيي الـ 1948، الا الى معاملة العرب الذين يشكلون خمس سكان اسرائيل باعتبارهم مواطنين لهم كامل الحقوق، بقدر ما ان عليهم كل الواجبات التي يقومون بها فعلا. لكن ديمقراطية اسرائيل نسيج وحده، كما يقولون، اي نسيج مختلف عن كل ما تقول به علوم السياسة والقوانين الدولية والديمقراطية في العالم، لانها تنظر الى اليهود («شعب الله المختار» ! كما تقول) بعين، بينما تنظر الى العرب في اسرائيل - وحتى خارجها طبعا - بعين اخرى مختلفة تماما. هم مواطنون من الدرجة الثانية او الثالثة او ربما الرابعة. وما حدث بالنسبة لبشارة والطيبي يعني انه اذا كان لهؤلاء اي حق في انتخاب ممثلين عنهم في الكنيست، فهو الحق في ان ينتخبوا يهودا او صهاينة لهذه المواقع، او حتى ربما عربا يكونون بصفات اليهود والصهاينة، فضلا عن ان يكونوا يتبنون آراءهم في كل ما يتعلق بديمقراطية الدولة التي هي يهوديتها قبل اي شيء آخر. وكل من يعارض مثل هذا «الحق»، او حتى يجرؤ على نقاشه، هو اما «ممنوع من ابسط حقوقه المدنية» في الترشيح والانتخاب - كما كان الحال اخيرا - او «خائن» للدولة تجب ملاحقته، وحتى محاكمته والحكم عليه بهذه التهمة. واذا قيل ان وراء الموقف الاسرائيلي تخوفا من العامل الديموغرافي، حيث تقول التقديرات ان عدد المواطنين العرب سيزداد ليصل الى حوالي نصف عدد سكان اسرائيل او اكثر في خلال عقد من الزمن، فذلك اخلال فاضح بالديمقراطية بمعناها الاخلاقي وليس بمعناها الدستوري فقط، وهو تأكيد لنظام «الابارتهايد» العنصري الاسرائيلي اكثر من اي شيء آخر. لكن العرب ليسوا وحيدين في هذا المضمار، في كل حال، وان كانوا اقلية كبيرة باتت اسرائيل تنظر اليها بريبة خصوصا بعد ان دخل ممثلون عنهم الى الكنيست (البرلمان) ورفعوا الصوت عاليا مطالبين بحقوقهم في المواطنة الكاملة ومناضلين من اجلها. ولقد عمدت محكمة العدل العليا الاسرائيلية الى «تسوية» مشكلة بشارة والطيبي عندما الغت، بعد اسابيع من الشد والجذب، قرار اللجنة الانتخابية المشكلة من الاحزاب السياسية الاسرائيلية منعهما من الترشح للانتخابات المقررة في الثامن والعشرين من يناير الجاري. ولكن كيف، ولماذا، والى اين من هنا ؟!. احد الاسباب هو ان من بين مهمات المحكمة العليا، التي تتمتع باستقلالية عن السلطتين السياسيتين التنفيذية والتشريعية بحكم الفصل بين السلطات في الانظمة الديمقراطية، ان ترعى التغطية المعنوية والاخلاقية للتناقض القائم دستوريا بين ديمقراطية دولة اسرائيل ويهوديتها العنصرية. وقد لعبت هذه المحكمة، وغالبا في الفترات الحرجة، مثل هذا الدور خاصة عندما كان السياسيون يشتطون في سعيهم للمحافظة على نقاء الدولة اليهودية من اية مخاطر يتعرض لها هذا النقاء. بل انها لعبت في اوقات معينة دور التقنين لممارسات بربرية وغير ديمقراطية كانت الحكومات تنفذها وتريد من القضاء ان يضفي عليها الطابع القانوني.. مثل هدم بيوت رجال المقاومة او الزج بهم في السجون لفترات غير محددة او حتى طردهم وطرد عائلاتهم الى خارج الاراضي المحتلة. وواقع ان قرار المحكمة الجديد صدر بأكثرية الاعضاء وليس باجماعهم، وان هذه الاكثرية لم تكن كبيرة، انما يدل على تساومية المهمات المناطة بهذه المحكمة وعلى تساومية القرارات التي تتخذها خاصة عندما تكون المهمة متعلقة بهوية الدولة ويكون القرار متعلقا بنظامها السياسي. وبين هذه الاسباب كذلك ان بشارة الذي كان عشية انتخابات العام 2000 قد اعلن نيته ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة الاسرائيلية، لا لشيء الا لتسجيل سابقة من جهة ولتحدي ادعاءات اسرائيل الديمقراطية الزائفة من جهة ثانية، لم ترفع في وجهه أية موانع سياسية او قانونية او قضائية في ذلك الوقت. ومع ان بشارة لم يصل يومها الى حد تجسيد نيته واقعا عمليا على الارض او رسميا بتقديم ترشيحه، بل انه تراجع عن ذلك قبل موعد الانتخابات يقينا منه، ضمن اشياء اخرى، بانعدام اية فرصة نجاح له، ولأن من شأن ترشحه ان يكتل اليمين واليسار الاسرائيليين في معركتهما لعضوية الكنيست، فأغلب الظن ان المحكمة العليا اخذت ذلك في اعتبارها عندما قررت الغاء منعه والطيبي من الترشح للانتخابات المقبلة. الا ان في مقدمتها، وكما هي العادة في اسرائيل، توجيه رسالة جديدة الى العالم - خصوصا منه العالم الغربي الذي يعتبرها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة - بأن اسرائيل دولة ديمقراطية غربية فعلا وان تكون دولة يهودية عنصرية في الوقت ذاته، وبأن السلطة القضائية فيها هي التي تحمي هذه الازدواجية عندما يحاول السياسيون ان يقفزوا فوقها او ان يتجاوزوا الحدود التي يرى العالم الغربي فيها مساً بالحريات العامة وبقيم المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين في بلد يرفع علم الديمقراطية الى جانب علم الصهيونية العالمية. .. والى اين من هنا؟! الى دولة ابارتهايد في التطبيق العملي وبكل معنى الكلمة، كما يقول عزمي بشارة، وان تحاول الظهور في ظروف معينة - مثل تلك التي مرت في الاسابيع الماضية - بمظهر الدولة الديمقراطية فيما يتعلق بحق الانتخاب وحق الترشح، بينما الحريات الاخرى والمساواة في الحقوق والواجبات كـ «دولة لكل مواطنيها» كانت في الماضي وهي الآن وستبقى مستقبلا ايضا في خبر كان. بين المرشحين للانتخابات الاسرائيلية المقبلة من يدعو علنا الى طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة تحت عنوان «الترانسفير» من اجل اقامة اسرائيل الكبرى. وفي ظل محاولة منع بشارة والطيبي من الترشح للانتخابات الآن، والكلام المتكرر عن الخشية من الانقلاب الديموغرافي عبر زيادة عدد المواطنين العرب في اسرائيل الى ما يقارب نصف عدد السكان في خلال عقد من الزمن، لن يكون مستبعدا ابدا جعل «الترانسفير» سياسة معتمدة في داخل اراضي العام 1948 ايضا. ـ كاتب لبناني