السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 آخر نسخة من انتاج أسلحة الدمار الشامل تبعث بها أميركا إلى الوطن العربي في ساحتيه الملتهبتين فلسطين والعراق.. وأشرس الدعايات وأقواها، تنطلق من أفواه «البيت الأبيض الصهيوني» تعلن ان الحرب على العراق إنما تستهدف ثلاثة أمور رئيسية: الأول: مكافحة الإرهاب! الثاني: نزع أسلحة الدمار الشامل. الثالث: تحقيق الديمقراطية في العراق، والمنطقة العربية تالياً!! وهنا يرفض الذين لم يرهنوا عقولهم بعد إلاّ أن يتساءلوا: أليست هذه الجماهير التي تزدحم بها شوارع وساحات العالم في باريس وبرلين ولندن وأميركا ومختلف أصقاع وبقاع الدنيا مطالبة بإدانة الحرب الأميركية الصهيونية ضد العراق وايقافها، تشكل أبرز رموز الديمقراطية وتجلياتها؟! فإذا كانت نسبة رفض الحرب تصل في الشارع العالمي إلى أكثر من ثمانين في المئة فأية ديمقراطية تحترم، وأي رأي عام يقدر إذا ما استمرت الإدارة الأميركية المتصهينة في ركوب رأسها ومحاولة كسر رأس السلام والأمن في الأرض العربية؟! فهل يكافح «الارهاب» بإرهاب لا مثيل لبشاعته. أما اسلحة الدمار الشامل فأين هي؟. ألم تصبح غاية في الهزل والهزال بعدما فلح المفتشون الأمميون أرض العراق فلم يجدوا ما تصر أميركا على وجوده، وبعدما فتشوا الجبال والوديان، والصحارى والنخيل والمياه، وبقي أن ينصبوا سلالم للفضاء لعل بعض النجوم فوق بغداد تحولت إلى مستودعات للأسلحة المزعومة!! انها حرب العدو الصهيوني العنصري، ومن اجله، وبرسمه، ولحسابه تخطيطاً، وتنفيذاً، وحصائل ونتائج في خاتمة المأساة الرهيبة، والكارثة المدمرة والمسرعة نحو الوطن العربي.. فالنفط قابل للمناقشة والمحاصصة، والتقاسم لانه ثروة كونية تكمن فائدة مالكها بتعميمها وتوسيع دائرة المستفيدين منها لمصلحة المنتج والمستهلك معاً. اما الكرامة الوطنية والقومية فغير قابلة للتشطير أو التأجير، أو المساومة. ويستحيل على العراق والامة العربية ان تتساهل او تناقش موضوعاتها عندما يصل الامر الى حدود النيل منها. ان العراق مستهدف لانه حلقة في سلسلة، تتناول موقفه من الصراع العربي الصهيوني، وموقعه من قلب امته العربية وحضارتها وتراثها وتاريخها، وعمقه الاستراتيجي والقومي في مسألة صراع الوجود مع العدو الصهيوني العنصري. كما يستهدف لاكتنازه الثروة النفطية التي يتصور سدنة البيت الابيض صقوراً وحمائم، أنهم ورثتها الشرعيون، وقد خولتهم الظروف الدولية، وغطرسة القوة انجاز معاملة تملك هذه الثروة في الحقبة البائسة من حياة العرب! ان كل ما يجري على الساحة انما هو برسم الصهيونية العنصرية ولمصلحتها، فهل يتنبه قادة الامة من أولياء امرها وفقرها، وقهرها، الى ان تفكيك العراق ـ اذا حصل ـ هو المقدمة الاولى لانهيار كل الشوامخ والرواسخ من دور وقصور تستمد حمايتها من اعداء أمتها؟! واذا كانت الديمقراطية هي الجائزة الكبرى التي ستقدم للمنطقة بعد ـ اكتساح ـ العراق كما يزعمون، فمن يصدق ان اميركا والصهيونية حليفتها حريصة على الديمقراطية وعلى عشاقها وبخاصة في الارض العربية! ألم تتعامل اميركا مع معظم الطغاة والدكتاتوريين في التاريخ خلال الخمسين سنة الماضية؟! واذا كانت الديمقراطية تقود لتشكيل وعي الشعوب وقوتها، فأية مصلحة لاميركا وعملائها من الحكام في المنطقة في ان تمتلك الجماهير بالديمقراطية قوتها وارادتها، والتي ستكون بالضرورة ضد الهيمنة والارهاب وغطرسة القوة الاميركية والصهيونية؟! واذا كانت «المصالح» وحدها هي التي توجه، وتقود، وتنفذ، في الحرب التي يحاولون جعلها قدراً محتوماً، فأية مصالح ستبقى آمنة لاميركا وحلفائها اذا ما زلزلت الارض زلزالها، وتداعت أركان البيت العربي من محيطه الذي لابد ان يعود هادراً، الى خليجه الذي نعتقد انه لن يبقى هادئا..؟! والذين يتصورون ان حذف العراق من جسده القومي سيجعل ـ الكيان الصهيوني ـ مطلق اليدين في وطن العرب، لاشك انهم غافلون او يتجاهلون حقيقة تؤكد ان العلاقة بين العراق واي قطر عربي أوثق وأعمق تلاحماً من اية علاقة بين ولايتين في اميركا، كما انهم يخطئون مرتين: مرة لانهم لم يقرأوا جيداً تاريخ المنطقة وقدرتها على ابتلاع الطغاة والغزاة. والثانية، انهم لم يدركوا بعد ان المشروع الصهيوني بدأ في التآكل والصدأ والانهيار يوم اتخذت اجيال الانتفاضة قرارها بالجهاد والاستشهاد والنضال حتى التحرير. ان التفاؤل مهنة الرجال على مر التاريخ، وان الامة العربية التي اتخذت الجهاد والشهادة بوصلتها للنصر، لن تكون إلا وفية لتاريخها الحافل بكل ما يجعل الآمال بالنصر أقرب من حبل الوريد، ولو كره الحاقدون.. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب