السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 مع انتشار موضة الأسواق المغلقة، انتشرت موضة التسكع فيها واستعراض الألبسة والأبدان، وصار المرء إذ يذهب إلى السنتر سيرى أمامه أجساداً ملفوفة العضلات، مبرومة السواعد، وقطعاً هي ليست لنساء ضربهن الحر فمزّقن الثياب عند السُرَة والظهر وغيرهما، لكن لشباب انتفخت عضلاتهم بطريقة عجيبة، فتراهم يرتدون سراويل ضيقة تبرز موزات أفخاذهم وبطات أرجلهم وفوقها قمصان رقيقة القماش تكاد تهتريء لشدة نعومتها، ومن خلالها يرى المرء عضلات صدورهم ورمانات أكتافهم وتقاسيم معداتهم منفوخة كبالونات العيد، وإذا ما اقترب واحدنا أكثر من أحد هؤلاء، سيرى بالعين المجردة عروقه الخضراء التي يكاد الدم أن ينبجس منها، ولن يرى شعرة واحدة في صدورهم أو على أيديهم حتى يظن أنهم مُرد، وهم ليسوا كذلك، بل يمردون أنفسهم، كما أفاد الكابتن الذي صدفناه ذات مرة، فقال: ان ميول الشباب لبناء الجسد تجاوزت حد المعقول، وأصبحت هوساً لبناء عضلات أكثر انتفاخاً، ولم يوفروا في سبيل ذلك الهرمونات المنشطة والأدوية المساعدة على تضخيم الرقبة فلا ينفع معها ربطة عنق ولا قميص بزر مقفول، لذلك تراهم يرتدون «تي شيرت» وحتى يكتمل المشهد يدهنون أجسادهم بكريمات مزيلة للشعر مثل تلك التي تستخدمها النساء في الإعلانات التلفزيونية المحترمة! وقال الكابتن ان هؤلاء الشباب لا همّ لهم سوى مباراة أقرانهم والتفوق عليهم بحجم العضلات، ولا يتبعون الأسس الصحيحة من تمرين جيد وغذاء مفيد، بل تراهم يدمنون الهرمونات وغيرها ليصبحوا على هذه الشاكلة «عناتر». والعناتر يا سادة سترونهم يلطشون بأجسادهم الضخمة في مراكز التسوق دون ان تكون لهم حاجة للشراء، إنهم يمشون كالطواويس بين مخلوقات اللّه البشرية، ولا يمشون فرادى، بل زرافات ـ يعني شلة من العناتر ـ يمشون في مكان واحد أو يجلسون في مقهى للوجبات السريعة سعداء بالزيت المهدرج والمرطبات شديدة السكر. وإذا قال المرء مندهشاً.. ترى لماذا يشعر الانسان بالرهبة لمرأى هؤلاء العناتر؟ الجواب بسيط.. لأنهم ليسوا مثلنا، وواضح انهم يمتلكون قوة تفوق قوة الناس العاديين ويستعرضونها قصداً أمام الناس حتى يشعرونهم بالرعب، ويكفي ان يتواجد أحدهم بقربك حتى تنشغل به وبعضلاته فلا ترى من ملامحه سوى تلك الأجزاء المنفوخة من جسده، وإذا أخذتك التفاتة الى رأسه فستراه حليقاً يذكرك بالمصارعين الذين يتباطحون على الحلبات ويكذبون على الناس بحركات بهلوانية فارغة، والمدهش في الأمر ان عدداً كبيراً من الفضائيات العربية «الرسمية» تبث أفلاماً عن المصارعة السخيفة لمدة ساعتين على الأقل. هؤلاء العناتر نتاج حالة تأثير أميركية بحتة، لأن المجتمعات الأخرى لا تميل الى استعراض قوة الفرد كما يفعل الأميركان في السينما، وفي الواقع أيضاً، لذلك تراهم (الأميركان) يصدرون إلينا أساليب حياتهم من طريقة لباس إلى طعام إلى تفكير، مروراً بسلوكيات (العنطزة) التي ينتهجها الشباب تأثراً ببطل سينمائي قدمته هوليوود، وصولاً إلى الديمقراطية التي ستصل معلبة أو على شاكلة فاست فوود، وعندها لا خيار لنا سوى القول «يا مرحبا يا مرحبا.. ديمقراطيتكم غطت على الكهربا». Email: h-s-d@maktoob.com