الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 في العام 1987 شاءت الظروف ان اكون بوسط المانيا، مدينة من مدنها المكتظة بالبنايات والمباني القديمة المكتوب على واجهاتها تواريخ بنائها التي تعود الى القرن الثامن عشر، وكان من الطبيعي ان اتساءل في نفسي كيف لهذه العمارات ان تبقى لهذا العمر وكيف بضخامتها رممت حتى اصبحت بهذه النضارة في الوقت الذي يحافظ فيه على طرزها؟ الاجابة جاءتني في اليوم التالي حينما اصابتني الدهشة الثانية وانا ارفع رأسي مبهورا بوقوف واجهة عمارة من تسعة ادوار وحدها في الفضاء.. واجهة وكأنها جدار طويل عريض اسند بدعامات من الخلف، فيما ازيلت كل ادوار العمارة بكاملها؟ ماذا يفعلون هنا؟ قال احدهم: هدوا البناء القديم وأبقوا الواجهة لأن طراز بنائها نادر ويعود الى حقبة تاريخية مهمة وسوف يبنون بناء جديدا بأحدث الاساليب ومواد التسليح والاسمنت ويلصقوه بالواجهة القديمة ليحافظ الطابع العام للمدينة على اصالته ولتبقى واجهة البناية القديمة كما هي عليه.. في رأس الخيمة انهار برج المعيريض الاثري وتناثرت لبناته الطينية على الارض وكأنه لم يكن يوما شاهدا على تاريخ المنطقة، انهار لأن عمال الترميم ازالوا السقف، ولان هذه النوعية من الابراج لا تؤسس على حديد مسلح ولا خرسانات، وان كل جزء فيها يشد الجزء الاخر، فان العمال ومن امرهم بخطوة رفع السقف لم يتنبهوا الى ذلك، اضافة الى ان اياديهم كانت قاسية على صخور التاريخ، فكانت هذه اسباب كافية للانهيار.. لا نحمل العمال ذنب انهيار برج قديم، لكن اما كان يتوجب بالفعل التفكير مليا قبل مد اليد الى هذا البرج في كيفية ابقائه على حاله وترميمه، خصوصا وان فنون الترميم اليوم صارت تستند الى آليات حديثة وتقليدية ايضا للبقاء على الاثر في مكانه واعادة تأهيله بهدوء.. انهار برج المعيريض بالتأكيد امام ضربات المطارق القوية، وانهار لانه لم يوضع حوله حاجز يحميه من التناثر، وانهار بالتأكيد لأن خطة الترميم لم تناقش كيفية البقاء عليه برغم الاعمال الشاقة التي سوف يتعرض لها.. الان سوف يبنى برج المعيريض المزيف، كما زيفت العديد من الأثار عندنا بالاسمنت المسلح وطليت بالطين ليقال لنا انها الاثار القديمة بصخورها وجصها.. سوف يعود برج المعيريض.. اذا كانت الرغبة في اعادته بعد الانهيار، وان لم تكن فإن صخوره ستجرفها الجرافة حتى تتلاشى آثارها.. الا يوجع سقوط هذا البرج؟ وألا يوجع تلاشي آثار مشابهة؟ ارحمونا من هذا السقوط المستمر.. انها بقايا الهوية والتاريخ.