الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 قبل أن يبدأ (عزيز نيسين) أحداث روايته (الطريق الوحيد) التي صدرت طبعتها الأولى عام 1997 كتب في مدخل الرواية شيئا يشبه الديباجة التمهيدية للقراء، أراد من خلالها أن يقول بأن الرواية استلهام حي من شخصية واقعية التقاها ذات يوم من العام 1951. وهي شخصية محتال ذي سوابق تخطى الخمسين من عمره، ولا يزال يتحدث عن جرائمه وعمليات احتياله بثقة ودون نكران. وعندما يحكي بطل الرواية عما وقع فيه من ابتلاءات لم يكن يبرر لنفسه مثل الآخرين قائلا: (ما الذي كان بيدي؟ .. أو المكتوب على الجبين لازم تراه العين) بل على العكس لقد ابتدع مبررا أنجح من أجل إسكات ضميره عند ارتكابه ذنبا ما، هذا المبرر يردده قائلا: بقي طريق واحد أمامي: الاحتيال! أو لقد كانت كافة الطرق مغلقة في وجهي وبقي أمامي طريق واحد. ولهذا السبب سمى (عزيز نيسين) روايته (الطريق الوحيد) واصفا إياها بأنها رواية (الذين لا حيلة لهم) أو (من يظنون أن لا حيلة لهم) !! وليس بطل حكاية (الطريق الوحيد) هو الشخص الوحيد الذي لم يعش حياته كما أراد، بل كما أرادتها الظروف والآخرون حتى أصبح يصدق بأنه لا حيلة له فيما يحدث له، فهناك كثيرون يعتقدون وبشكل جازم بأنهم انحرفوا، لأن الانحراف كان الطريق الوحيد المتاح أمامهم، هذا يحدث عندما تسأل رب الأسرة الذي قضى سنوات عمره في السجن بتهمة تعاطي المخدرات مثلا فضيع أبناءه وأهله، لكنه يجيبك باستسلام: في ذلك الوقت لم يكن أمامي سوى ما فعلت، أما لماذا؟ فتبقى بلا اجابة! ومثله يجيبك الطالب الذي يواصل فشله الدراسي عاما تلو الآخر حتى يجد نفسه مطرودا إلى الشارع بكل قسوته وانحرافاته وضياعه، هل هذا أيضا لم يكن أمامه سوى هذا الطريق؟ والزوج الممعن في خيانة زوجته، والزوجة المتلبسة بالفعل نفسه، والتاجر الذي يتاجر في السموم، والمختلس، والساكت عن الخطأ خوفا، والهارب من نفسه لمتاهات أخرى، هل كان هذا هو طريقهم الوحيد أم طريقهم الأسهل؟! هل يمكن أن يكون طريق الاحتيال والضياع أو السلبية والهروب خيارا لا مفر منه أمام البعض؟ وأي نوع من الناس قابل للذوبان في هذا الطريق والذهاب معه حتى النهاية؟ وإذا كان الإنسان ضعيفا بطبيعته التي جعله الله عليها وذكرها في القرآن، فهل يمكن تبرير السقوط الانساني في تيه الضلال بأنه شكل آخر للضعف الموسوم به من قبل الخالق؟ نحن لا نبرر الخطأ لكننا نسأل عن (الطريق الوحيد). إن معادلة الحياة أعقد من كل التنظيرات والفلسفات، وكما قال أحدهم (أؤمن بأن كثيرا من الناس لا يعيشون حياتهم كما يشاؤون، بل كما يريد الآخرون، مع انهم يرددون دائما نريد أن نعيش حياتنا) انهم لا يعيشون ذواتهم سنوات طويلة، ولا ينتمون لخياراتهم أحيانا لأنها ليست سوى رجع أو صدى لتوجهات الآخرين المتسلطين على ظروفهم وأدواتهم التي لو امتلكوها لكانوا أحرارا يمكن محاسبتهم بطريقة عادلة. يحدث أن يتحكم في حياة البعض ظروف شديدة التعقيد واشخاص غير أسوياء ومليئون بمركبات وعقد النقص، عندها تصبح الخيارات ضيقة ولا يعود أمامهم سوى طريق وحيد .. تماما كما قال عزيز نيسين!.