الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 في مساحة حرية الصحافة التي ننشدها ونتهامس بها وننتظرها ـ ننتظر ان تهبط علينا او نمنح إياها أو تنبت لنا ـ على أمل أن تكبر هذه المساحة ويطير السقف وتكون لنا حرية صحافية من غير حواجز وبلا حدود. في هذه الأمنية وانتظارها نغفل نحن العاملين في هذه الصحافة إن حركة السقف وثباته يرتبطان بمفهوم ان حرية الصحافة تصنع وتترسخ، وأن لها متطلبات وتحتاج إلى ثوابت، إنها لا تعطى، وعندما نرضى وننتظر ان تعطى لنا، علينا أيضاً ان ننتظر الحالات التي سوف تؤخذ فيها، فهكذا هو مبدأ الهبات والعطايا في كل المجالات وكل شئون الحياة. مطلب حرية الصحافة يصنعه الزميل المحرر والمؤسسة الصحافية التي ينتمي لها، عليهما الجهد والتحمل والمغامرة والدفاع والهجوم، عليهما الصبر والثبات. والصحافي هو المجاهد الأول في هذا الميدان وعند هذه القضية، ولكي يكون ثابتا وقويا لابد أن تكون عنده طاقة تحمل وخلفه جدار يحميه اذا تداعى السقف وخنقته الصحافة التي يبحث عن حريتها. الجدار الصامد هو بيته الأول، الصحيفة التي ينتمي لها، لابد أن تشعره بالأمان دائما وتشد أزره ولا تخذله لكي يبدع لها ويتفانى لها ايضا ويبحث لها وللمجتمع عن صحافة أكثر قوة ووضوحا وحرية. فأين هي هذه الدار الصحافية المثالية في وطننا العربي (عدا مصر ودور النقابة فيها) التي يمكن أن تحمي وتدعم وتنصر، وقبل هذا يشعر المنتمي لها بالاستقرار والطمأنينة فيها؟ أين هو هذا الزميل الذي يكافح من أجل الحرية ويبحث عن الأفضلية في عمله ولا يحمل الخوف في داخله، ليس من السلطة أو من أعداء الصحافة بشكل عام، إنما الخوف على يومه ومستقبله من الصحيفة التي يعمل بها. أين هو هذا المستقر الحر القوي المطمئن في أي بلد من بلدان وطننا العربي كله؟! أزمة الصحافة وحريتها هي في واقعها وبنيانها وتكوينها الداخلي، في المنتمي لها الخائف منها، كيف نطالبه أن يخوض ويكافح من أجلها وفيه القلق الدائم منها هي في المقام الأول. دائما يشعر بالرهبة والتردد في دواخله، انه لو بذل مجهودا وخرق السقف، وسمح له تجاوزا بالانطلاق والنشر، فمن يحميه بعد النشر من ويلات المتربصين، وماذا لو توحد هؤلاء عليه وأصابه الشر والضرر من داخل المؤسسة التي يعمل بها؟ ما هو مصيره وأين هي نهايته؟! البيت من الداخل في صحافتنا العربية يحتاج إلى دعائم وثوابت وإعادة تنظيم ومزيد من الثقة والقوة والأمان لجميع أهل البيت والمنتمين له، فلا يمكن لهذا البيت أن يكون مشعا، تنطلق منه نداءات التعديل والتطوير والتغيير ومعالجة المشكلات وهو يعاني ويمارس خلاف ما يطلبه وينادي به، ولا يشعر من فيه بأدنى درجات هذه الحرية المنشودة! 10 آلاف «اتحاد» بعد غد الأحد تنظم «الاتحاد»، أعرق وأقدم جريدة عندنا التي تحتفل بمناسبة صدور العدد رقم عشرة آلاف منها، حدثا اعلاميا مهما يتمثل في مؤتمر مستقبل الصحافة المكتوبة في عصر الوسائط المتعددة.. الذي يشارك فيه نخبة من الكفاءات والخبرات الصحافية والاكاديمية العربية والدولية، وتحيي ضمن هذه الاحتفالية سنة حسنة في تكريم الجيل المؤسس ورؤساء التحرير الذين تولوا ادارتها في المراحل المختلفة. هذه الاحتفالية التي حرص سمو وزير الاعلام الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان ان تكون نوعية وللجميع تبحث وتناقش وتحاول ان تضيف للمهنة وأهلها، وفي جانبها الآخر التكريم والتقدير لرجالات ورواد الاتحاد الجريدة. منحها سموه ثقلا وقوة ان وفر لها رعاية صاحب السمو رئيس الدولة. لفتة الوفاء والتكريم هذه تشعر الاساتذة والزملاء بأهمية الدور الذي قاموا به، وان ذلك العطاء والتعب والاجتهادات، ذلك العمر الذي مضى ترك أثرا، وان هناك من يقدر ويحفظ صنيع من ساهم في مسيرة العشرة آلاف عدد. عين الرضا والعرفان لهذه اللفتة لن تكون عند المكرمين وحدهم، انما في كل الوسط الصحافي، وتحديدا جميع الزملاء الذين مروا على الاتحاد في دربها وسنواتها الطويلة. هؤلاء الذين لا يزالون فيها او خرجوا منها سيتذكرون في احتفاليتها بعد غد كيف مرت الأيام عليهم فيها، ستجرهم الذكريات إلى محطات تلك الرحلة، وذلك الشباب الذي رحل مع أوراقها وأعدادها القديمة. نظرة التقدير تبقى أجمل اللحظات تساوي عند المكرم مصاعب الزمن الذي مضى وما فيه من عثرات صاحبة الجلالة. فلا أحد في هذه المهنة أقبل عليها إلا عاشقا لها، ولا عاش واستمر فيها إلا عاشقا لها ايضا، ولا أظن أن أحدا خرج منها إلا طريدا أو مكرها أو محمولا إلى المنزل الأخير، الذي لا رائحة للأحبار فيه، ولا يتسع للجريدة أو حتى همومها!