الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 لعل الحكومة السودانية نادمة الآن على نقل قضية جنوب السودان الى منبر منظمة «ايجاد» الافريقية. ولعلها نادمة ايضا على موافقتها على دخول الولايات المتحدة كطرف وسيط عبر «ايجاد». لكن ربما ما يخفف من وطأة الندم في كلا الحالين الآن انه صار للوساطة الخارجية بعد عربي. لقد اجتمع في الخرطوم هذا الاسبوع وزراء خارجية يمثلون تسع دول عربية في اطار ما يطلق عليه «اللجنة الوزارية العربية الخاصة بالسودان» التي كونتها الجامعة العربية باجماع دولها الاعضاء للمشاركة في الجهود الاقليمية والدولية الرامية الى تسوية مشكلة جنوب السودان واحلال السلام. وبينما تعمل هذه اللجنة على صعيدين ـ صعيد الوساطة السياسية من جهة والصعيد الاقتصادي للمساهمة في اعادة اعمار السودان الجنوبي عندما تتوقف الحرب ـ فإن الحكومة السودانية بصدد تقديم خطة عملية مفصلة الى الجامعة العربية ترسم الدور المطلوب من الجامعة من خلال اقتراحات محددة. لقد كان لمشكلة جنوب السودان على الدوام بعد خارجي منذ اندلاعها قبل 48 عاماً، ونذكر ان البداية حينئذ كانت تمرداً عسكرياً قوامه ضباط وجنود جنوبيون هربوا عند فشل التمرد عبر الحدود الى أوغندا ومن ثم الى كينيا، هنا كانت باكورة التدخل الخارجي. كانت أوغندا وكينيا آنذاك تحت الادارة الاستعمارية البريطانية، وقد رحب رجال الادارتين البريطانيتين بالضباط والجنود الهاربين ووفرتا لهم المأوى. ومن ثم تولت أمرهم بعثات التبشير المسيحي والهيئات الكنسية في شرق افريقيا لتشجيعهم على تكوين تنظيم سياسي بأجندة مسيحية، وبالفعل ظهر الى حيز الوجود قبل ان ينطوي عقد الخمسينيات حزب «سانو» وذراعه العسكرية «انيانيا» وقد اتخذا من العاصمة الكينية نيروبي مقراً رئيسياً. وفي نيروبي دخلت على الخط خلال النصف الاول من عقد الستينيات اسرائيل ممثلة في قنصليتها، وعندما قامت الحكومة السودانية آنذاك بضم المدارس التبشيرية في الجنوب الى وزارة التربية والتعليم وادخلت اللغة العربية في المناهج الدراسية «دون ان تلغي تدريس الدين المسيحي في المناهج» دخل الفاتيكان على الخط ايضا كطرف خارجي اضافي يدعم «سانو». في هذه الاثناء قامت علاقة بين حركة التمرد والكنيسة الاثيوبية الارثوذكسية في عهد الامبراطور هيلاسلاسي. وكانت اثيوبيا الوسيط الاكبر عندما تم التوصل الى اتفاق سلام بين حركة التمرد والحكومة السودانية في عام 1973. ضمن عدد من الوسطاء الآخرين كلهم يمثلون دون استثناء هيئات كنسية. في عام 1983 اندلع التمرد الثاني بزعامة جون قرنق.. متخذاً على الفور من العاصمة الاثيوبية «في عهد الدكتاتور منجستو هيلا مريم» مقراً رئيسياً.. وبالتالي حظيت الحركة بدعم فوري من الكنيسة الاثيوبية. وعبر رجال الكنيسة الاثيوبية وجد قرنق طريقه الى مجلس الكنائس العالمي في جنيف، ولاحقا انضمت الى ركب داعمي الحركة منظمات مسيحية أوروبية وأميركية. صفوة القول ان الشمال السوداني لم يكن يتلقى عبر اي من الحكومات التي تعاقبت على السلطة دعما موازياً من المنظمات العربية على الصعيد غير الرسمي. اما على الصعيد الرسمي فإن حركة التمرد بينما كانت ولاتزال تحظى بدعم دول غربية وافريقية في مراحل مختلفة ـ بريطانيا والنرويج والمانيا بالاضافة الى أوغندا وكينيا واثيوبيا ومن بعدها اريتريا ـ فإنه لم تكن هناك دولة عربية واحدة تقدم دعماً جاداً للحكومات السودانية.. إلا اذا استثنينا امدادات سلاح محدودة لفترة مؤقتة وقصيرة كانت تأتي من ليبيا خلال النصف الثاني من الثمانينيات. الآن فقط، وبعد ان دخلت مشكلة جنوب السودان دائرة التدويل الواسعة تشهد بواكير بعد عربي. ورغم ان الدخول العربي الجماعي على خط القضية يأتي متأخراً فإنه يأتي ايضا في مرحلة باتت تنذر بفشل وساطة «ايجاد» والوساطة الاميركية الناشطة على هامش «ايجاد». «ايجاد» هي الحروف المختصرة بالانجليزية لاسم «الهيئة الحكومة للتصحر والتنمية».. والهيئة تتكون من سبع دول افريقية هي اثيوبيا واريتريا وكينيا وأوغندا وجيبوتي والصومال والسودان. واذا اخذنا في الاعتبار ان هذه الدول الوسيطة خاضعة اجمالاً للارادة الاميركية وان الولايات المتحدة هي مصدر الدعم الاساسي الآن لحركة قرنق وقوتها القتالية لادركنا لماذا تميل «ايجاد» ـ خاصة كينيا ـ في نشاطها الوساطي الى جانب حركة التمرد كما ظهر عمليا خلال العملية التفاوضية في ماشاكوس وما بعدها حتى الآن. لقد ثبت ان «ايجاد» ليست سوى اداة للتدخل الاميركي في عملية الوساطة. لذا نقول ان تدخل الجامعة العربية في عملية الوساطة سوف يجعل من البعد العربي عامل توازن.. فالولايات المتحدة تتحرك في اطار القضية من منظور تعزيز انتماء السودان الافريقي على حساب انتمائه العربي.