الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 التطور والتغير إحدى السمات التي يجب أن يتحلى بها الإنسان في عالم متغير بشكل سريع، وان كانت هناك مبادئ أساسية يجب الحفاظ عليها خلال مسيرة التغير، أي هناك الإستراتيجي الثابت وهناك التكتيكي المتحرك الذي قبل التقدم والتقهقر، والاتجاه يمينا أو يسارا من اجل تحقيق الهدف الاستراتيجي، وهذه النظرية تنطبق على الدول كما تنطبق على البشر، ولكن البعض خلال ممارسته التكتيكي يبدو كما لو كان يهدف إلى إحلاله محل الاستراتيجي، ومن هؤلاء السياسي الإسباني خافيير سولانا، أحد أقطاب الحزب الاشتراكي الإسباني، تولى عدة وزارات خلال فترة وجود حزبه في السلطة، ثم انتقل إلى منصب السكرتير العام لحلف الأطلسي، وهو حاليا صاحب منصب المنسق الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، او كما يسمونه «المستر بيسك». عرفته بشكل شخصي مع بدايات الثمانينات من القرن الماضي، القرن العشرين، عندما كان يناور سياسيا مع زعيم حزبه فيليبي جونثالث لإسقاط حكومة الوسط التي كان يتولاها وقتئذ السياسي المحنك ادولفو سواريث، أول رئيس وزراء لإسبانيا بعد رحيل دكتاتورها الجنرال فرانكو، وتولي الملك خوان كارلوس الأول الحكم، وكان أول من أجرى انتخابات عامة ديمقراطية فاز فيها تجمع مكون من عدد من الأحزاب تطلق على نفسها حزب «اتحاد الوسط الديمقراطي»، ولكنها كانت في الحقيقة تمثل اليمين المستفيد من الدكتاتورية السابقة، ويحاول البقاء في السلطة خلال العهد الديمقراطي. أول حوار تحاورت مع خافيير سولانا في إطار النادي الدولي للصحافة، وفي لقاءات عديدة على هامش مؤتمرات حزبه، حول مستقبل تلك الديمقراطية الوليدة التي راهن اليمين على سقوطها والعودة إلى الزمن الماضي الذي كانت فيه الأرستقراطية تسرح وتمرح على هواها، وكان السيد خافيير سولانا شخصية مهذبة جدا، وكغيره من الزعماء الاشتراكيين في ذلك الوقت كان يتمتع بثقافة عالية، ولذلك لم يندهش أحد عندما اختاروه ليحتل منصب وزير الثقافة في أول حكومة اشتراكية بعد الفوز الكاسح الذي حققه الاشتراكيون عام 1982، بعد سبع سنوات فقط من انهيار الدكتاتورية برحيل الجنرال فرانكو الذي كان يعتقد حتى نفسه الأخير أن أسبانيا تم إعدادها لتبقى إلى الأبد تحت سيطرة اليمين السياسي والديني المتمثلين في الأرستقراطية والكنيسة الكاثوليكية. أول حوار أجراه السيد خافيير سولانا بعد توليه لوزارة الثقافة كان مع عدد من الأطفال وأمام كاميرات التليفزيون، ما زلت اذكره جيدا، كان فيه داعية لثقافة السلام ونبذ الخلاف، ومحاولة استغلال الفرصة التي تتيحها لنا الحياة الحديثة للنهل من منابع المعرفة، لأنها الطريق الوحيد الذي يجنبنا الحروب وإراقة الدماء. في الحقيقة أن هذا الرجل كان من اكثر وزراء الحكومة الاشتراكية الأولى في إسبانيا تمتعا بالرقة، ويبدو جادا في تطبيق ما يقوله، لكن مع مرور الأيام تبدلت شخصيته مع توليه مناصب أخرى في الحكومات الاشتراكية المتعاقبة طوال الثلاثة عشرة عاما التي كان فيها فيليبي جونثالث رئيسا للوزراء، ثم تولى بعد ذلك مناصب أوروبية عديدة من بينها السكرتير العام لحلف الأطلسي، وربما كانت تلك الفترة الأكثر إثارة في حياة رجل كان يبدو دائما داعية للسلام تحت جلد حمل، وتحول فجأة إلى ذئب حقيقي من خلال وجوده على قمة أعتى منظمة عسكرية في العالم، عليها من الجرائم والدماء أكثر من أن يكون لها شئ في الأمن والطمأنينة. بل كان هذا الرجل يبدو أحيانا الأداة الطيعة التي تمارس من خلالها الولايات المتحدة سياستها العسكرية، فقد كان القفاز الحريري الذي ينقل التهديدات إلى الآخرين، بل الأكثر من هذا انه كان يبدو كثيرا على وفاق مع السياسة الخارجية للحكومة اليمينية التي أطاحت بالحكومة الاشتراكية في إسبانيا، إلى درجة أن هذه الصورة الجديدة التي تبدلت انتقلت ظلالها إلى ناخبي الحزب الاشتراكي في بلاده، وربما كانت هذه الصورة الجديدة وراء رفض قواعد الحزب الاشتراكي طرح اسمه كخليفة للزعيم فيليبي جونثالث عند تخليه عن سكرتارية الحزب فور الهزيمة التي لحقت بحزبه في انتخابات 1996، والتي كانت أسبابها تعود إلى الأخطاء التي ارتكبها الكثير من أعضاء حكوماته المتعاقبة اكثر منها هزيمة ناتجة عن نصر يميني مستحق. سرعان ما فهم خافيير سولانا رسالة قواعد الحزب الاشتراكي الإسباني، فانسحب إلى مكاتب الاتحاد الأوروبي في بروكسيل، وتم اختياره منسقا عاما للسياسة الأوروبية الخارجية، وهي تكاد العجز الوحيد الذي يعانيه الاتحاد الاوروبي، خاصة بعد أن سارت دوله الأعضاء على طريق من التكامل الاقتصادي وصل إلى حد اتخاذ عملة واحدة تتداولها جميع شعوبها. جمع المتناقضات لذلك كان من سخريات القدر أن قرر السيد خافيير سولانا لعب دور المنسق بين السياسات الخارجية المتعارضة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فهناك محور برلين باريس الذي يعتبر اكثر المحاور قوة في السياسات الأوروبية، خاصة أن ألمانيا وفرنسا تشكلان معا العصب الأساسي في هذه السياسة، وهناك المحور المفاجئ الذي شكله وصول كل من توني بلير في بريطانيا وخوسيه ماريا أزنار في إسبانيا إلى منصب رئاسة الوزراء كل في بلده، وهو محور لم يكن متوقعا بين بريطانيا وأسبانيا، أولا لأن كلا البلدين يعيش حالة من التوتر في السياسة الخارجية البينية بسبب مشكلة جبل طارق، تلك المستعمرة البريطانية التي تطالب بها اسبانيا، وثانيا أن توني بلير العمالي أي الاشتراكي فيما خوسيه ماريا أزنار رئيس وزراء إسبانيا يميني حتى النخاع، بل ويعتبر نفسه وريث سياسة مارجريت تاتشر التي قضى بلير على كل اثر لها بمجرد دخوله إلى مقر رئاسة الوزراء في لندن. إنها تطورات غريبة في حياة رجل سياسي، لأن السيد خافيير سولانا مارس كل دور أوكل إليه بالقناع المطلوب منه، كان سياسيا مسالما عندما كان وزيرا للثقافة، وكان يتأرجح ما بين الشدة واللين عندما كان متحدثا رسميا باسم حكومة بلاده، وارتدى قناع الذئب خلال وجوده في حلف الأطلسي، وبعد ذلك عاش الدور الذي يفرضه عليه التأرجح ما بين سياسات متباينة، وفي كثير من الأحيان متعارضة، بين دول الاتحاد الأوروبي، فهو مرة حازم في موقفه من إسرائيل عندما يجد الغضب في عيون فرنسا أو ألمانيا، ثم سرعان ما ينقلب حانيا عليها عندما يرى صمتا في أفواه رئيس وزراء بلاده اليميني خوسيه ماريا أزنار، الذي يخشى الجهر بموقفه حتى لا يجد نفسه ضحية من ضحايا العبث الصهيوني الذي يمكنه استغلال ماضيه كسياسي نشأ في ظل الجنرال فرانكو الذي يكن له الكثير من الإسرائيليين العداء السافر، وما بين هذا وذاك فان خافيير سولانا يتخير وقت الشدة واللين مع إسرائيل، فهو يكون أحيانا قاسيا عندما يكون رئيس وزرائها من الليكود، وأما لينه فهو دائم مع زعماء حزب العمل لأن علاقته بزعماء حزب العمل الإسرائيلي معروفة منذ زمن بعيد. لكني أخير اكتشفت وجها جديدا للسيد خافيير سولانا المنسق الأعلى للسياسة الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي، واعتقد انه هذا هو وجهه الحقيقي كأوروبي يقدح فكره في إطار مشروع أوروبي غربي ديمقراطي بعيدا عن تأثيرات أي مشروعات غربية أخرى إذا ظهر عدم اتفاق معها في الأهداف والخطوات التي يجب اتباعها لتحقيقي تلك الأهداف، وهو هذه المرة يعبر عن فكره الحقيقي متخليا عن التكتيكي ومقدما للاستراتيجي. قرأت له الأسبوع الماضي في جريدة «الباييس» الإسبانية مقالا غريبا يعلن فيه، وربما لأول مرة عن معارضته للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية، وهذه المعارضة جاءت بعد أن اصبح الشارع الأوروبي ينظر بكثير من القلق تجاه السياسة الأميركية التي اصبح ساستها كالثيران الهائجة التي تجري في ساحة من المرايا، فترى نفسها في تلك المرايا وتعتقد أن ظلالها ثيرانا أخرى تهاجمها، وتبدأ تخبطا ستكون نتيجته النهائية تدمير نفسها وتدمير من يقفون من حولها. المقال بعنوان «بذرة احتمالية الانفصال بين الولايات المتحدة وأوروبا»، فيه الكثير من التحليل الهادئ النابع من عقلية تحاول التغلب على صعوبات اللغة الدبلوماسية التي يفرضها المناصب والتي تصل في كثير من الأحيان إلى حد إخفاء الحقائق والنطق باللسان بما لا يقبله القلب أو العقل. خلاف متجدد يرى خافيير سولانا أن شعار «كلنا أميركيون» الذي أطلقه البعض في أوروبا بعد أحداث 11 سبتمبر ليس حقيقيا وانه كان نابعا عن لحظة عاطفية لا أكثر، أفاق بعدها الشارع الأوروبي ليجد أن خلافات جذرية مع الولايات المتحدة كانت كامنة قد برزت على السطح، ولا بد من وقفة لمناقشتها في حوار هادئ وإلا فإنها ستكون بداية لانفصال حقيقي بين أوروبا والولايات المتحدة. يتركز هذا الخلاف في أن الولايات المتحدة ترى في أحداث الثلاثاء الدامي سببا يدفعها إلى الانتقام وفرض سيطرتها كإمبراطورية عظمى، فيما يرى الأوروبيون أن تلك الأحداث لم تكن سوى إنذار للانتباه إلى أن الشعوب الأخرى تعيش حالة من الغضب تجاه السياسات الأميركية أن 11 سبتمبر ليس سوى إنذار لتصحيح مسار تلك السياسة. ويؤكد خافيير سولانا أن «الحرب ضد الإرهاب» التي تعلنها الولايات المتحدة هدفها المزيد من السيطرة وقمع الشعوب الضعيفة وهذا يؤدي بالتالي إلى دفع المزيد من البشر إلى عداء الولايات المتحدة والغرب، ويطالب بالتعامل مع الإرهاب على انه حالة سياسية تحتاج إلى مواجهتها سياسيا ولفترة طويلة. ويرى أيضا ان تقسيم العالم والدول والبشر بين خير وشرير يخضع لأحكام أخلاقية لا علاقة لها بالتعامل السياسي الذي يقوم على أساس المصالح المتبادلة، مؤكدا ان وصم دولة من الدول بالشر يدفع شعبها إلى اعتناق سياسة معادية ويزيد من تعميق الهوة، وأنه لا يمكن وصم دولة بحالها على أنها شر كلها. ويخلص سولانا إلى أن المشاكل الدولية الحالية، سياسية واقتصادية وبيئية، تحتاج إلى حلول دولية تشارك فيها دول العالم جميعا، لأن انتقال البشر والأموال اصبح من الأمور الطبيعية ومعها يمكن انتقال المشاكل، وأن الغازات السامة والملوثة لا تعرف الحدود، وأي سياسة لمواجهة الإرهاب إذا كانت الولايات المتحدة جادة بالفعل في القضاء عليه، يجب أن تكون تلك السياسة في إطار مقبول دوليا، فالتحديات أصبحت أكبر من أي دولة بمفردها، حتى الدولة الأكثر قدرة عسكريا تحتاج إلى أصدقاء وحلفاء، ولكن هؤلاء الأصدقاء والحلفاء يجب التعامل معهم باحترام وأن يكون شركاء في القرار وليسوا مجرد تابعين، وتشكيل تحالفات وقتية لخوض حرب ما ثم فك تلك التحالفات بعد انتهاء الغرض منها ليس مجديا، بل يجب أن تكون التحالفات في إطار استراتيجية بعيدة المدى وتحقق مصالح مشتركة للمتحالفين جميعا. ويخلص خافيير سولانا في النهاية إلى أن الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة تسير وفق هوى من يسيطرون على عقلية الجالس في البيت الأبيض، ومن هنا تأتي الاعتراضات الأوروبية على السياسة المتبعة حتى الآن لمواجهة أزمات كالعراق والقضية الفلسطينية، وأن الاعتراض على قرارات صقور البيت الأبيض ليس أوروبيا فقط، بل هناك داخل الولايات المتحدة من يشارك أوروبا رأيها، وهناك من يعارض التوجه «الإمبراطوري» للولايات المتحدة، وأن المشاكل الدولية الحالية لا يجب حلها فقط باستخدام القوة العسكرية. وحذر خافيير سولانا صانعي القرار في الولايات المتحدة من أن الاستمرار في السياسة الأحادية، والتوجه الأميركي نحو السيطرة على العالم بالقوة العسكرية والعمل بشكل منفرد، مع افتراض قبول أوروبي جاهز وحسب الطلب، قد يؤدي في النهاية إلى حالة «فصام» بين اميركا وحلفائها في أوروبا، ويزيد من عدد الأعداء. ـ كاتب مصري