الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 أحسن «مركز التدريب الاعلامي» بمؤسسة «البيان»، بتخصيصه اولى دوراته التدريبية هذا العام، لفنون «الخطابة والالقاء الاذاعي والتلفزيوني»، حيث حظيت الدورة باقبال متحمس من نخبة رائعة من ابناء الامارات والبحرين وعمان ومصر وسوريا ولبنان وفلسطين والاردن وتونس والجزائر واليمن. ولقد لفت انتباهي، واثلج صدري، رغبتهم الحارة جميعا في اكتساب المعرفة والدربة في مجال مشافهة الجمهور، اي القاء كلمة فيه، وهو ما يسمى في الفنون الادبية والاعلامية «بفن الخطابة»، ذلك ان بعض الناس في عصرنا يتوهم ان «فن الخطابة» قد انطوت صفحته بطغيان وسائل الاتصال الجماهيرية الحديثة: الاذاعة والتلفزيون، على حين يتجلى في كل مكان من عالمنا، وفي كل مجال من مجالات حياتنا المعاصرة السياسية والاجتماعية والدينية، اننا نعيش ازهى ايام «فن الخطابة» الذي يعد من اهم مواصفات الشخصية الناضجة ومن اهم مقومات النجاح في الحياة العملية. والحق ان «الخطابة» هي اقدم وسائل الاتصال الجماهيري. وجدت مع اجتماع الناس في شئون الحياة الانسانية المختلفة: السياسة، والحرب، والعبادة، ومناسبات الفرح والحزن والنصح، وهدفها من قديم هو نقل افكار او معلومات او مشاعر، من فرد: زعيم او مصلح او اديب، الى مجموعة من الناس. ومع تطور الحضارة الانسانية وانجازاتها المختلفة، وبخاصة انجازاتها التكنولوجية، من طباعة واجهزة سمعية وبصرية، ظهرت وسائل اتصال جماهيرية عديدة، اوسع مجالا وانتشارا، واكثر اغراء وتشويقا وسهولة، كالسينما والاذاعة والتلفزيون، وقبلها الكتاب والصحافة، وبعدها شبكات المعلومات الالكترونية. لكن «الخطابة» بقيت وستبقى لها مكانتها، ولها تفردها بخصائص مهمة مؤثرة، منها كونها وسيلة للاتصال الانساني المباشر والحميم والحي، ومنها الدور الايجابي الفعال الذي يقوم به جمهورها، باعتباره يسعى بارادته اليها مهيئا نفسه للاستماع والتجاوب والتفاعل معها، الامر الذي يجعله مهيئا للتأثر بها، وبالجمهور الحاضر معه. وعلى مر التاريخ، اغتنى تراث «الخطابة» بنوادر المواقف وروائع الخطب، ومشاهير الخطباء، وما اكثر ما حركت خطب من مشاعر، واثارت من عواطف، وأسالت من دموع، واطلقت من صيحات وهتافات وشعارات، بل وفجرت من مظاهرات وثورات شعبية، واثرت في حركة التاريخ في كل بلاد الدنيا. وفي تاريخنا العربي قديما وحديثا، ادت «الخطابة» ادوارا جليلة في حياة المجتمع: احداثه ونضاله وثقافته وقيمه وتوجهات الرأي العام فيه ويكفي ان تذكر في هذا المقام اسماء مصطفى كامل، وسعد زغلول وجمال عبدالناصر. وقديما، في المجتمع الجاهلي، كان العرب امة امية، ندر فيها من يكتبون، ومثلا، لم يكن في مكة، في صدر الدعوة الاسلامية سوى سبعة عشر كاتبا، ولم يكن في يثرب غير احد عشر كاتبا لذا كان الخطاب جهرا اي شفاهة هو الوسيلة الرئيسية للاتصال الجماهيري، ومن هنا برز دور «الخطابة» والخطباء، الذي ازدهر في العصر الاسلامي مع اتساق الآفاق والمجالات، كالنصح والارشاد الديني والدعوة، والحث على الجهاد، والتعليم، والانشطة الاجتماعية الكثيرة التي جلبتها الحياة الجديدة، وقد وصف الجاحظ تطور مكانة الخطيب، فقال: «كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب، بفرط حاجتهم الى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم، ويفخم شأنهم ويهول على عدوهم ومن غزاهم، ويهيب من فرسانهم، ويخوف من كثرة عددهم.. فلما كثر الشعراء، واتخذوا الشعر مكسبة، ورحلوا الى السوقة، وتسرعوا الى اعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر». وقد حفظ التاريخ روائع من خطب القدماء ومنها استخلص الناس والدارسون خصائص ومزايا الخطبة الناجحة المؤثرة، ومن ذلك، ان الخطيب يواجه جمهورا مهيئا لاستقبال رسالته، والتأثر بها، والتفاعل معها، وكل فرد منه سعى اليها برغبته وارادته، وملتزم ـ ادبيا ـ بالبقاء في مكانه حتى نهاية الخطبة، كما انه يكون عرضة للتأثر بوجوده ضمن حشد، وبآراء من حوله وردود افعالهم، اي انفعالاتهم. في الخطابة ايضا، للمتحدث الاستعانة بعوامل مساعدة غير صوته كاشارات يديه، وحركات جسمه، ونظرات عينيه، بل ودق المنبر بقبضته! وفيما يتصل بنص الخطبة ولغتها، فان الخطيب المحنك يختار المفردات ذات الرنين، والاساليب المثيرة للمشاعر، وقد يضمن خطبته عبارات مأثورة وحكما وامثالا واشعارا، ويضرب امثلة قريبة من نفسية جمهوره ومدركاته، ويلخص افكاره فيما يشبه الشعارات المركزة، كما يحرص على المزج بين الاسلوب الخبري، والاسلوب الانشائي الذي يثير انتباه جمهوره ويشركه في التفكير والاستنتاج. ان «الخطابة» من اقوى وسائل الاتصال تأثيرا، وستبقى كذلك، لانها تمتاز بالتفاعل الحار المباشر بين المرسل والمرسل اليه، وما اجدرها بأن تحظى بعناية كل فرد، كما حظيت بعناية «مركز التدريب الاعلامي» بمؤسسة «البيان»