الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 بعد زيارة أنور السادات للقدس المحتلة في نوفمبر 1977 وما تلاها من اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر 1978 ثم معاهدة السلام بين السادات والاسرائيليين في مارس 1979 ... بعد هذه الاحداث التي قلبت المنطقة رأساً على عقب سرت في مصر نغمة مفادها ضرورة الانفتاح على الاسرائيليين من باب «اعرف عدوك». ومع توالي الكوارث العربية بدءاً من اجتياح لبنان واحتلال اول عاصمة عربية عام 1982 ثم كارثة الغزو العراقي للكويت عام 1990، وما اعقبها من هيمنة اميركية شاملة لكل المنطقة ومؤتمر مدريد عام 1992، تحولت هذه النغمة من مجرد صيحة يطلقها قلة من دعاة التطبيع في مصر الى «موضة عربية» يتبناها «كل من هب ودب» من له صلة حقيقية بالصراع ومن لم يكن يعرف حتى اين تقع فلسطين المحتلة. معرفة العدو أمر جيد ومحمود بل هو ضرورة قصوى كي نعرف كيف يفكر وكيف يتخذ قراراته، وبالتالي نعرف كيف نواجهه وهو الأمر الذي من اجله طلب جمال عبدالناصر من الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل ان يؤسس مركزاً للدراسات على اسس علمية مهمته فقط معرفة كيف يفكر الاسرائيليون، هذا المركز هو نفسه الذي يسمى الآن «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، والذي قدم لسنوات طويلة اسهامات بارزة وخيارات متعددة لصانع القرار السياسي قبل ان يتحول الى مركز عام يهتم بكافة القضايا العربية والعالمية، وصارت قضية الصراع العربي الاسرائيلي مجرد احدى قضاياه فقط للاسف الشديد، بل ان قلة من باحثيه صارت تتبنى مفهوم التطبيع بشكله الفج لفهم المجتمع الاسرائيلي. ولولا الجهود الفردية لامثال الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي اصدر موسوعة شديدة الأهمية، او كتابات الدكتور ابراهيم البحراوي والدكتور رشاد الشامي وجهود اخرى لبعض الباحثين الفلسطينيين والهيئات العربية لصار أمر الاهتمام العربي الحقيقي بالمجتمع الاسرائيلي اقرب الى الفضيحة، والسبب ان بعض مثقفينا و«مطبعينا» فهم خطأ مصطلح «اعرف عدوك» واعتقد واهما انه يعني الارتماء في احضان هذا العدو والالتقاء به في العواصم الاوروبية من اوسلو الى كوبنهاغن ومن باريس الى استوكهولم، بل وفي فندق «الملك داوود» بالقدس المحتلة ايضا، اهتمامنا الآن كعرب بالمجتمع الاسرائيلي صار مثالاً للتندر في الخارج، وبدلاً من دراسة هذا المجتمع العدواني بالصورة العلمية الصحيحة، بتنا اقرب الى مجمع الناخبين الاسرائيليين، نفعل كل شيء، باستثناء الذهاب الى صناديق الاقتراع للكنيست، وهكذا ومنذ فترة، اعتقد انها بدأت عام 1996، صار العرب يراهنون علناً على مرشح بعينه او حزب اسرائيلي يدعون ليل نهار ان يفوز في الانتخابات حتى يحل القضية المزمنة بعد ان صرنا عاجزين عن حلها بقوانا الذاتية، وتحول الأمر الى ادمان عربي رسمي مستمر على حزب العمل في مواجهة الليكود والمتطرفين، وانقسم العرب في غالبيتهم الى مجموعات، جزء كبير يؤيد العمل والبعض يراهن على ميرتس والاحزاب العربية في ارض 48، بل ورأينا بعض الاصوات التي لا تخجل من تأييد الليكود، رغم انه يثبت لنا كل يوم انه لا فارق بين اي حزب في اسرائيل عندما يتعلق الامر بالعرب والفلسطينيين. بعض علماء وخبراء علم النفس والاجتماع يرجعون هذه الظاهرة العربية الغريبة الى ما يمكن تسميته ب«ظاهرة التعويض والاسقاط»، ولأننا لا نملك في بلداننا العربية ديمقراطية فعلية او انتخابات حقيقية فإننا صرنا نراهن على «ديمقراطية» اولاد العم الجدد، التي تبين انها لا تختلف كثيراً عن ديمقراطيتنا العربية، فأولاد شارون فاسدون، وظاهرة شراء الاصوات وتجنيد المجرمين والمافيا، صارت مرضا اسرائيليا ايضا، ولم يعد ينقصهم لكي يصبحوا مثلنا تماماً غير استيراد ظاهرة «تصويت الموتى». وعندما تصبح لدينا ديمقراطية حقيقية، وقتها سوف يقل اهتمامنا كثيرا بما سيحصل عليه الليكود او ما سيخسره العمل او المفاجأة التي يمكن ان يحققها شينوي او «اسرائيل بعاليا»، وسيقل اهتمامنا باستطلاعات الرأي ومدى تأثيرها بفضائح الليكود الحالية. اذا امتد بنا العمر وشهدنا انتخابات عربية حقيقية واستطعنا بناء مجتمع عربي عصري وقتها سوف نستطيع ان نهزم عدونا الحقيقي والرئيسي، وكل من يحاول اذلالنا .. لكن حتى يتحقق ذلك فسوف نظل نعمل بالمثل المصري الشهير «الصلعاء تتباهى بشعر بنت اختها»، والمأساة ان ما نتباهى به ونهتم لاجله لا يمت لنا بصلة، بل هو نقيضنا التاريخي! adiraqi@yahoo.com