الخميس 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 16 يناير 2003 «في الليلة الظلماء يفتقد البدر».. ليست مجرد صورة شعرية جادت بها قريحة شاعر، بل هي حكمة مصفاة من قلب الزمان، ولا يجري عليها تغير واقع أو اختلاط زيفه بجوهره. حقاً، لا ندري قيمة الاشياء والمعاني إلا بأضدادها، فيتألق معنى الكرامة في زمن الخنوع، ويزدهر ضياء الحق أمام هجمة الباطل، وتتبدى قيمة الكلمة المسئولة في وجه خناس التزييف والانصياع، ويتسامى معنى العدل على كل ضرورات الظلم والغبن، وتتجذر انسانية الإنسان أمام العبودية الطوعية أو القهرية. بالأمس ذكرتنا أحوال وطننا بكل سوءاتها، والقليل المتبقي من رصيد مجدها، بذكرى رجل يزداد حضوره؛ كلما أوغل في الزمان غيابه؛ لا لشيء إلا كونه أحد فرسان الأمة في سعيها المتعثر لاستعادة ألق نهوضها. بالأمس مرت الذكرى الخامسة والثمانون على ميلاد زعيم النهضة العربية، ورافع لواء وحدتها، ووقفتها الأبية أمام أعتى موجات الغزو الغربية. مرت ذكرى ميلاد جمال عبدالناصر زعيم العروبة في وثبتها الثانية في القرن الماضي، قبل أن نذكره بمنصبه رئيساً لمصر أو لأول جمهورية عربية متحدة. عبدالناصر ذلك الضابط الصغير الذي خرج من صفوف «أبناء البلد» ابن ساعي البريد، طالب الحقوق الذي تحوّل الى الكلية الحربية؛ برغبة دفينة لامتلاك أداة التغيير لصالح الأمة؛ وليس لمجرد الانتقال من واقعه البسيط الى التعلق بأهداب طبقة أعلى توفر له رغد العيش ومهابة المكانة. نذكر لعبدالناصر انه مازال الحالم الأكبر في أمتنا، يدع عنّا مبررات اليأس، ويمنعنا من السقوط في مستنقع التهليل للأمر الواقع، ويكاد يقاتل يومياً بدلاً عنّا؛ كل شياطين الترجيف واشاعة الاحباط، والترويج للقبول بفتات موائد الغاصبين لوطننا. ولا ننسى لعبدالناصر إيمانه ويقينه بوحدة أمتنا، وسعيه الدؤوب.. دون شطط.. دون ارتجالية.. دون أوهام لتحقيق حلم الوحدة، وادراكه العميق لضرورة التدرج، ورفض تلك الصور الانقلابية أو فرض الوحدة بالقوة، لأنها لن تكون وحدة بل فماً لصالح توحش الدولة القطرية، ولن تخلق سوى افناء حلم الوحدة من أساسه، وهو ما حدث بعد رحيله بعشرين عاماً، عندما غزا العراق الكويت. وان ننسى، لا ننسى لعبدالناصر قدرته البليغة على مواجهة الغزوة الغربية والهجمة الصهيونية، بأسلوب يعتمد الكرامة والسيادة القومية أساساً، واللعب بأوراق المعادلات الاقليمية والدولية منهجاً، ورفض التبعية لأية قوة عظمى بعقلانية لا تُفْرِط ولا تُفرط. عبدالناصر، قد ينطبق عليه وصف الزعيم بما منحه الله من سمات «كاريزمية» أو وصف البطل التاريخي بما حققه لأمته من تحولات أزالت الحواجز المعرفية والاقليمية، ووحدت الشارع العربي وجعلته قوة ضغط دولية يحسب لها كل حساب لدى صنع القرار في أي عاصمة دولية. على أن أهم ما جسده عبدالناصر كزعيم ورئيس لأكبر دولة عربية، هو صفاته الانسانية التي يتعالى حضورها الآن، ومنها استهجانه لكل مظاهر الفساد، وإن تضاءلت، وعدم تسامحه مع أي واقعة فساد أو سوء استخدام سلطة، ورفضه المطلق لشعار: الفساد ظاهرة عالمية، كتبرير للفاسدين. في زمن عبدالناصر، صحيح وجدت تجاوزات ووقائع فساد، لكن لم يتستر عليها أحد؛ ولم يتنح سيف العدالة عن رقاب الكبار، مستأسداً على الذيول والصغار، بل الكل سواء، وكان الفقير والمهمل من العامة يدرك ان كلمته ستصل إلى آذان «الريس» فيرفع عنه ظلم الطغاة الصغار. كثيرة هي فضائل عبدالناصر الانسان الذي اكتوى بنار ما يسميه البعض بمرض حب العدل، وإن جار على الذات، فهو الذي ظل يشدد على أبنائه بأن كل ما يتمتعون به في قصر الرئاسة أو بيت الرئيس مجرد عهدة للدولة وليست ملكاً شخصياً لهم، فعاش نزيهاً، ومات دون أن ينجح أعداؤه في تلطيخ اسمه.. رحمة الله عليك يا أبا خالد.