الخميس 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 16 يناير 2003 صديقي الذي يسكن في شارع الدكتور أحمد فخري يجند نفسه وأسرته وأصدقاءه عندما أزوره، فهو يتوهم أنه يسكن في مكان صعب الوصول اليه. أما بخصوصي فالأمر يتعدى حدود الوهم بكثير فهو متأكد من أنني سأضل الطريق. فأنا لا أعرف كيف أصل الى اي مكان حتى لو كان الى مكان ذهبت له مرات. وذات مرة كنا ذاهبين الى مكان الدكتور يونان لبيب رزق، وكان من المفروض أنني أعرف المكان وانني الذي أقوده اليه، ولكنني تهت. واعتذرت له بأني حسي الجغرافي ضعيف جدا. فقال في تسامح معروف عنه: لا يهم. المهم أن حسك التاريخي قوي! وصديقي الذي يعرف أن حسي الجغرافي ضعيف الى حد مضحك أصابته الدهشة عندما بدأت أعرفه الى شخصية الدكتور أحمد فخري، فلقد سكن في هذا البيت وهو لا يعرف من الذي أطلقوا عليه اسم الشارع، وأظنه اعتقد انه طبيب. وأتمنى في مثل هذه الحالات أن يكتبوا الى جوار اسم الشارع نبذة عن صاحبه. والدكتور أحمد فخري من أهم العاملين في الآثار، وكان استاذا للتاريخ الفرعوني. وله كتب مهمة منها كتب عن الواحات المصرية وكتب عن رحلة أثرية له في اليمن. ولقد عرفت الدكتور أحمد فخري عن بعد عندما درست على يديه التاريخ الفرعوني وأظن أن ذلك كان في عام 1959 وكنت ـ بلا شك ـ أسوأ تلاميذه.. فلقد انزلقت الى العمل الصحفي، واستغرقني تماما عن الدراسة وظللت أعمل فيه حتى بعد أن تخرجت بثلاثة أعوام. ولقد نجوت منه بقصة طويلة. والآن عندما أرى زملائي في «البيان» وغيرها أشفق عليهم، لكنني أعرف انهم يعشقون المهنة ولا يرضون بها بديلا. وهذا من غرائب ما يحدث في هذه الدنيا. وكنت أنئذ مثلهم أعيش المهنة حتى النخاع. وكنت أؤدي الامتحان. ولم يكن هناك وقت لذلك، فأعددت جدولا خاصا بي يختصر الزمن ـ بل يختصر العلوم أيضا! ومن العلوم التي قررت اختصارها التاريخ الفرعوني الذي يدرسه لنا الدكتور أحمد فخري. وكنت قد قررت ـ وحدي ـ تأجيله الى الفصل الدراسي الثاني. ولكي يتم هذا كان لابد أن أحضر الامتحان شكليا. وفعلا ذهبت كتبت اسمي على الأوراق، وأردت أن أذهب، لكن المراقب اعترض فهناك قانون يمنع الطالب من أن يترك الامتحان الا بعد مرور منتصف الوقت. وأصبح أمامي ساعة ونصف طويلة لا أدري ما أفعل فيها، وهناك مجلة تنتظر لأهرع إليها حتى أكمل موادها. ولأول مرة منذ أن دخلت فكرت في أن أقلب ورقة الاسئلة ولماذا أفعل وأنا لم أعرف حتى ما في الكتاب أو المحاضرات. لكن الحالة التي أنا فيها هي التي دفعتني الى أن أقلب الورقة واقرأ الاسئلة. لم تكن الاسئلة صعبة أو سهلة فأنا لم أذاكر هذا الكلام. لكن كان هناك سؤال عن اخناتون. وكنت ـ وما زلت ـ معجبا بهذا الملك الفرعوني الذي اكتشف ان تعدد الآلهة لا يليق بالعقل، وانه لابد من وجود اله واحد يجمع هذا الكون. واختار قرص الشمس رمزا لهذا الإله الواحد. وقيل عنه انه أول الموحدين. وكان شاعرا فيلسوفا حطم قواعد الفن الفرعوني التقليدية، وسمح لمثاليه ومصوره أن يقدموه كما هو وبين أسرته في حين أن اسلافه كانوا يصورون عمالقة لا عيوب فيهم، وربما لو أن هذه المدرسة الفنية استمرت بعض الوقت لكان للفن الفرعوني دور أكبر من الذي قدمه للبشرية. وربما بز الفن اليوناني. ولاعجابي باخناتون في تلك الفترة كتبت عنه برنامجا للاذاعة، وكان البرنامج في ذلك الوقت يعد جهدا يصل الى جهد كتابة مسرحية، خاصة أن البرنامج كان للبرنامج الثاني الذي سمى فيما بعد بالبرنامج الثقافي. وبذلت فيه جهدا أظن أنه من الصعب تكراره. فلما رأيت السؤال عن اخناتون فكرت انه الحل لنصف الوقت الذي يتوجب عليّ أن أجلس فيه صامتا أراقب انفاسي. وبسرعة البرق كشفت عن ساعد الجد، وأخذت أكتب عن اخناتون، وكأنني أعد بحثا لأكثر من امتحان عابر. وأصل الى ما أريد الوصول اليه في هذا الحديث وهو انني قمت بما يقوم به الباحثون عادة من الاشارة الى المراجع. ولكنني زدت أرقام الصفحات والفصول وأسماء الناشرين مما يستحيل على طالب يجلس دون السماح له بالاقتراب من المكتبة. وكان من المستحيل ان أنجح في هذه المادة ذلك لأنه كان من المطلوب الاجابة عن أربعة اسئلة، وأنا أجبت عن سؤال واحد. وحتى لو أعطاني الاستاذ الدرجة النهائية، فهي لا تكفي للنجاح. لكنني فوجئت في النتيجة بأن الأستاذ اعطاني درجة النجاح. وبعد أحد عشر عاما من هذه القصة، قابلت الدكتور أحمد فخري في مؤتمر ثقافي. ولم أحك له القصة، بل لم أقل له انني كنت تلميذا له، وكان من المستحيل أن يتذكرني. ونشأت خلال فترة المؤتمر صداقة بيننا، وعندئذ صارحته بأنني درست على يديه. وأبدى دهشة شديدة، ربما لأنني أجلت هذا التعارف. ثم حكيت له بداية قصة الامتحان، فإذ به يتذكرها فورا كما لو كانت قد حدثت بالأمس. ويحكيها لنا ـ ومعنا بعض أعضاء المؤتمر ـ وكيف تخيل انه طالب مهزار يضع أرقاماً مختلفة للصفحات، فمن هذا الذي يتذكر أرقام الصفحات أو اسماء الناشرين.. وهم أن يكشف زيف هذا الطالب فأعاد مراجعة المكتوب على الكتب، فإذ بها كلها صحيح. قال الدكتور فخري انه تردد في منح الطالب درجة الامتياز لاجابته عن سؤال واحد من أربعة، واختار الثانية. وبالطبع أثنى على قوة ذاكرتي الموجودون وبالطبع احسست بالفخر ولقد مات الدكتور أحمد فخري (1905 ـ 1973) بعد سنوات قليلة. وبالطبع لم أكن فريد عصري في قوة الذاكرة فلقد سبقنا الجاحظ الذي كان يقرأ الكتاب فيضع ورقة بيضاء لتغطي على الورقة المقابلة خشية أن تحفظها ذاكرته. ولقد عرفت سعد الدين وهبة عن قرب وكان يحكي آلاف القصص بتواريخها كأنه مجمع. ولقد اشتهر بين الممثلين بعضهم ممن استفادوا من قوة الذاكرة في مهنة التمثيل. مثلا أشرف عبدالغفور ينظر في النص ثم يستعد لتمثيله، وقريبا من ذلك صلاح السعدني وليلى طاهر. وكثيرا ما كنت آتيه بذاكرتي وهي دون ذلك. ولقد تبنيت ذاكرتي كما يتبني انسان طفلا، دربتها. كنت أمنع عنها ما لا تجف، واعلمها الاحتفاظ بما هو ضروري واتحدى بها الأصدقاء. وفي الأسبوع الماضي وقفت امام موظفة الاستقبال الجميلة في أحد فنادق الاسكندرية اعتذر لنسياني جواز السفر فطلبت رخصة القيادة، اعتذرت بأنها سرقت مني. طيب أي كارنيه، أخرجت لها كارنيه اتحاد الكتاب ولكن عن العام الأسبق. ونظرت لي الفتاة في صبر. تذكرت ان احدى الصحف كتبت عني ووضعت صورة كبيرة بحثت عن الصحيفة فوجدت انني نسيتها. ابتسمت الفتاة وقالت: وأنا أعرف يا أستاذ أن الأدباء يهيمون في عالم الخيال وينسون أنفسهم! لأول مرة يتهمني أحد بالنسيان. وابتلعت الاهانة فالآنسة قررت الاستغناء عما يثبت شخصيتي. وأخذت أفكر كيف اثبت لها أنني ذو ذاكرة حديدية كما كان يقال دائما. ودق التليفون المحمول: يا أستاذ أين المقال؟ واكتشفت انني نسيت كتابة ما تقرأ الآن!