الخميس 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 16 يناير 2003 هل المناهج التعليمية في العالم العربي بحاجة الى تغيير على نحو ما تطالب به الولايات المتحدة؟ لنتجاوز سريعا الخرق الأميركي للمواثيق الدولية بتدخلها في شئون الغير (فقد تعودنا على ذلك) لنعيد طرح التساؤل بصورة أشمل: هل تحتاج المناهج التعليمية في العالم العربي إلى تغيير فعلا سواء طالب طرف خارجي بذلك أم لم يطالب؟ كلمة «تغيير» ربما تكون غير ملائمة تماماً. فإن الأفضل في تقديري استخدام عبارة «تطوير». وإذا فعلنا ذلك فإن المسألة المطروحة تبدو عادية للغاية. فالتطوير لازم للمناهج التعليمية بمراحلها المختلفة في كل زمان وكل مكان وإلا تجمدت وتحجرت وصارت بالتالي غير قادرة على تلبية احتياجات التقدم في اي مجتمع. الاختلاف العالمي في مناهج التعليم يتركز على علوم الانسانيات ومن بينها التاريخ والعلوم السياسية والاجتماع والفلسفة.. وعلى رأسها وفي مقدمتها الدين واللاهوت.. وكل ما يتصل بالعقائد الغيبية. هنا تتدخل الاعتبارات الوطنية والقومية والسياسية والاستراتيجية لتحدد مضامين المناهج التعليمية في كل مستوياتها: ما ينبغي ان يدرس.. وكيف يدرس.. وما ينبغي ألا يدرس اطلاقا او ان يدرس من منظور معين مقرر سلفا. فالتاريخ مثلا يمكن ان يدرس من منظور ماركسي او متطور رأسمالي او منظور اسلامي او منظور مسيحي إلخ. هذا التوجه ليس بالضرورة عيبا أو تدليسا أو منطلقا في كل الأحوال من دوافع عدائية. ان الفكرة العامة المطلقة في هذا الصدد هي ان التعليم بالاضافة الى فائدته المعرفية الذاتية، يجب ان تكون فلسفة ينطلق منها ورسالة يرجى تحقيقها. ليس في العالم كله منهج تعليمي ينطلق من فراغ. الفلسفة والرسالة بدورهما يجب ان يكونا نابعين من الهوية الحضارية للمجتمع. هنا نأتي الى لب القضية المطروحة: الولايات المتحدة تريد ان تفرض على المجتمعات العربية والاسلامية تغييرات في مناهج التعليم تنطلق من توجهات السياسة الدولية للولايات المتحدة بما تتضمن هذه السياسة من مصالح قومية حيوية (كالسيطرة الاحتكارية على النفط) واعتبارات جيو بوليتيكة استراتيجية (كالمحافظة على امن اسرائيل). ان الهوية الثقافية الغالبة في المجتمعات العربية والإسلامية هي بالطبع الحضارة الاسلامية المبنية على ذلك الدين القيم الذي اظهره الله تعالى على الدين كله.. وكفى باله شهيداً. ولذا فإن من المستحيل عدم الارتياب في نوايا ودوافع قوة عظمى لا تدين بالإسلام عندما تطالب بإحداث تغييرات في المناهج التعليمية في مدارس وجامعات البلدان العربية والاسلامية، وخاصة منهج تدريس الدين، بينما هي في الوقت نفسه تستهدف الإسلام بعداء استراتيجي دينا وأمة. ونعلم، ويعلم الجميع، ان الادارات الأميركية المتعاقبة ظلت ترسم استراتيجياتها تجاه العالمين العربي والاسلامي بوحي من جماعات الضغط اليهودية النافذة بصورة مستديمة في الكونغرس والبيت الأبيض والاقتصاد والاعلام وأن هذه الجماعات تستوحي بدورها اعتبارات بقاء اسرائيل وتفوقها وطبيعتها التوسعية. مع ذلك فان ادارة جورج بوش هي الادارة الوحيدة التي وجدت في نفسها جرأة للتدخل في مناهج تدريس الدين الإسلامي في البلدان العربية والإسلامية. وهذا التطور الخطير ليس بلا علة. لقد ظهرت في اعقاب «أحداث سبتمبر» جماعة ضغط جديدة باتت هي الاقوى بين كل جماعات الضغط والأشد تأثيرا على الرئيس الأميركي. هذه هي الجماعة التي تطلق على نفسها «حركة الانجيليين الصهاينة» كناية عن أنها تحالف يضم اليمين المسيحي المتطرف بقيادة بات روبرتسون وغلاة عناصر الصهيونية في الولايات المتحدة. ومما يجدر ذكره في هذا الصدد ان مطالبة الرئيس بوش بلداناً عربية بتغيير مناهج تدريس الدين الإسلامي ـ وهي مطالبة متضمنة في مذكرة رسمية ـ جرى التمهيد لها بحملة شرسة من ائتلاف «الانجيليين الصهاينة» تستهدف الاساءة الى الإسلام على خلفية الهوس الهستيري بشأن «الارهاب العالمي» وتصويره كدين عدواني، ومهاجمة رسول الاسلام محمد صلى الله عليه وسلم. ومن المثير حقا أن الادارة الأميركية لم تتقدم بطلب مماثل الى اسرائيل لحملها على تغيير مناهج التعليم الاسرائيلية المبنية على عقيدة «توراتية» تبيح إبادة الجنس العربي.. ضمن أجندة أخرى!