الخميس 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 16 يناير 2003 اتسمت العقود المنصرمة بازدياد تعمق الاختلالات البنيوية (الهيكلية) الاقتصادية بين بلدان منطقة الشمال الاكثر ازدهارا ورخاء وبلدان منطقة الجنوب الافقر، وذلك لاسباب من اهمها ازدياد اتساع الفجوة بين دخول بلدان الشمال المتقدمة النمو ودخول بلدان الجنوب الاقل نموا. ومن الواضح منذ زمن طويل ان النظام الاقتصادي الدولي تعتريه عيوب جوهرية، فالطريقة التي تعمل بها البنى (الهياكل) الدولية والآليات النقدية والمالية والتجارية، تنحو إلى وضع البلدان النامية في ظروف معوقة وتؤدي إلى تهميشها الاقتصادي وإلى تهميش دورها في الاقتصاد العالمي وفي عمليات اتخاذ القرارات الدولية. ولتغيير هذه الحالة لا يكفي اتخاذ تدابير الاغاثة قصيرة الاجل. وبسبب الطابع المتكافل الذي يتسم به الاقتصاد العالمي لا يمكن لأي بلد بمفرده ـ او مجموعة محدودة من البلدان ـ ان يعزل نفسه عن عواقب هذه الحالة الاقتصادية المتردية. وبسبب هذه الحالة التي مرت وتمر بها بلدان نامية كثيرة ناقشت محافل دولية مواضيع متعلقة بالتنمية في بلدان الجنوب، من قبيل التعاون الاقتصادي الدولي وطرائق تعزيز هذا التعاون وتنشيط النمو الاقتصادي والتنمية في العالم وبخاصة في البلدان النامية. ولكن هذه المناقشات لم يكن لها اثر كبير في تحسين حالة البلدان النامية، وبقيت المشاكل الاقتصادية التي تعاني تلك البلدان منها قائمة. ومن سمات او تجليات الاختلال البنيوي الاقتصادي انعدام التكافؤ في العلاقات بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة النمو وانعدام البيئة الاقتصادية المواتية لتنمية البلدان النامية، بينما تنعم البلدان المتقدمة النمو بمزايا بيئة اقتصادية افضل كثيرا. ومن اللازم من منطلق التكافل الاقتصادي العالمي اقامة بيئة كهذه للبلدان النامية. ولا يمكن اقامة هذه البيئة دون التعاون الاقتصادي بين البلدان النامية والمتقدمة النمو. ولتحقيق هذا التعاون يجب على مجموعتي البلدان ان تضعا الخطوط الرئيسية لاستراتيجية عادلة ومنصفة بقدر الامكان ترمي إلى النهوض بالتعاون الدولي الملموس والفعال لتحقيق التنمية العالمية، أي تنمية البلدان المتقدمة النمو والنامية. ولتحقيق اتفاق مجموعتي البلدان على الخطوط الرئيسية لهذه الاستراتيجية يجب ان يجري على اعلى المستويات الحكومية في العالم اجمع الحوار والمناقشات والمفاوضات الهادئة والعقلانية والايجابية والجادة التي تستلهم هدف تحقيق التعاون الدولي لتحقيق التنمية العالمية، تنمية بلدان المجموعتين كلتيهما. غير ان الظروف الاقتصادية السلبية التي تمر بها البلدان النامية تشكل سدا في وجه هذه البلدان في سعيها إلى الدخول في حوار متكافيء مع البلدان المتقدمة النمو للمشاركة في وضع هذه الاستراتيجية. غياب التكافؤ ولاقامة بيئة اقتصادية اكثر مواتاة للبلدان النامية تنبغي اقامة علاقات اكثر تكافؤا بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب. ومن سمات هذا الاختلال البنيوي تحكم البلدان المتقدمة النمو بوسائل التحكم المالي والاقتصادي من قبيل الصكوك الدولية والاقليمية الاقتصادية والتجارية. ونتيجة عن هذا التحكم تحصل البلدان النامية على عائد قليل من صادراتها من السلع الاولية. وذلك هو احد الاسباب في ان هذه البلدان لا تقوم بدور اشد اثرا في التجارة والتمويل الدوليين. ومن شأن اقامة بيئة دولية اقتصادية اكثر مواتاة ان تتيح للمجتمع الدولي ان يعالج ازمة الديون التي تواجه بلدان الجنوب، وان تتيح للبلدان المتقدمة النمو والمؤسسات المالية الخاصة والدولية تعبئة مزيد من الموارد بشروط مناسبة لتمكين بلدان الجنوب من ايقاف التدفق السلبي الحالي لمواردها. والتصدي لهذه التحديات ليس يسيرا اذ يرتب على بلدان الشمال التزاما بروح التضامن والتكافل ويرتب عليها التزاما باتخاذ تدابير فردية وجماعية ترمي إلى اقامة بيئة اقتصادية دولية افضل تسمح بحرية سير التجارة الدولية في ظل احوال اكثر استقرارا يكون لصالح جميع الدول. وتمثل التجارة الدولية احد المصادر الرئيسية لتدفقات الموارد المالية، وهي بالتالي وسيلة مهمة من وسائل النمو والتنمية الاقتصادية. غير ان النظام التجاري الدولي او الاسس والآليات الدولية التي تنظم التجارة الدولية تؤدي إلى تهميش دور البلدان النامية في الشئون السياسية والاقتصادية العالمية. ويتمثل هذا التهميش في انخفاض حصائل صادرات البلدان النامية نتيجة عن هبوط اسعار السلع الاساسية والمديونية المفرطة الواقعة على كاهل البلدان النامية، وعدم الاستقرار النقدي وسياسة رفع اسعار الفائدة والاجراءات الحمائية التي تتخذ ضد المنتجات والسلع المستوردة من البلدان النامية، وتدهور معدلات التبادل التجاري. فالتبادل التجاري بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة النمو يفتقر إلى التكافؤ، وهو الافتقار الذي يتجلى في معدلات التبادل التجاري السلبية المستمرة والمتزايدة بالنسبة إلى البلدان النامية. ومما يساهم اسهاما كبيراً في نشوء ازمة الديون النقل السلبي الصافي للموارد المالية من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة النمو وإلى المؤسسات المالية المتعددة الاطراف التي تسيطر بلدان وشركات غربية عليها. والسبب الرئيسي في هذا النقل هو ارتفاع الفائدة المفروضة على هذه الديون وانخفاض اسعار السلع التي تصدرها البلدان النامية بالمقارنة بارتفاع اسعار السلع التي تصدرها البلدان المتقدمة النمو. ولاسباب منها ارتفاع نسبة الفائدة على هذه الديون وانخفاض اسعار السلع المصدرة تعجز بلدان نامية كثيرة عن قضاء هذه الديون او لا تدفع سوى قسم منها. وبسبب عدم قضاء الديون يزداد باطراد مبلغ الفائدة عليها. ولفقر كثير من البلدان النامية تحتاج هذه البلدان إلى مزيد من القروض الخارجية، مما يزيد من حجم الديون، مما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة خدمة الديون. وعلى هذا النحو تجد البلدان النامية نفسها في حلقة مفرغة. ومن الجدير بالذكر ان الشركات الاجنبية التي تقوم بالاستثمار في البلدان النامية تقوم بنقل ارباح استثماراتها او قسم كبير من تلك الارباح، على الرغم من حاجة البلدان النامية الماسة اليها لتنميتها الاقتصادية. ومن تجليات الاختلال البنيوي ايضاً كثرة مصادر دخل البلدان المتقدمة النمو وقلة مصادر دخل البلدان النامية. تعتمد اقتصادات البلدان المتقدمة النمو اعتمادا اكبر على ركائز مالية واقتصادية كثيرة، منها التصنيع وصناعات الخدمات وانتاج المنتجات الالكترونية، بينما تشكل المواد الخام والمحاصيل الزراعية المصدرين الوحيدين تقريباً لكثير من البلدان النامية. ومن هذه التجليات ايضاً النزعة الحمائية التي تبديها بلدان متقدمة النمو. ليس من المقبول من جانب العالم النامي ان يكون للبلدان المتقدمة النمو حق قانوني في تقييد وصول السلع الزراعية إلى اسواقها في الوقت الذي تطالب فيه بلدان متقدمة النمو بحرية تدفق السلع والمنتجات التي لها القدرة الهائلة عل التنافس في الاسواق العالمية وليس من المقبول ايضا من جانب العالم النامي ان يسمح للبلدان المتقدمة النمو ـ كما هو واقع الحال ـ بدعم انتاج وتصدير حاصلاتها الزراعية بما يساوي عشرات البلايين من الدولارات، مما يضع قيدا قويا على تصدير البلدان النامية لحاصلاتها الزراعية. لهذه الحمائية المتسمة بالتمييز ضد البلدان النامية التي تعتمد على تصدير منتجاتها الزراعية عواقب تلحق الضرر باقتصادات ومجتمعات البلدان النامية. وتنزع بلدان متقدمة النمو هذه النزعة الحمائية بينما تقم بترديد العبارات الطنانة الرنانة عن حرية التجارة. فجوة متزايدة هذه الحالة تشكل احد الاسباب الاهم لتدهور الحالة الاقتصادية في البلدان النامية. فقد اسهمت اسهاما كبيرا في نشوء العجز في ميزان المدفوعات وتدني معدلات الاستثمار الداخلي في البلدان النامية، وخصوصا البلدان في افريقيا. وتستلزم هذه الحالة اجراء اصلاح واسع النطاق للنظام التجاري الدولي. بيد ان البلدان المتقدمة النمو غير مستعدة، نظرا الى المزايا التي تنعم بها في ظل النظام التجاري القائم، للموافقة على اي تغيير جوهري لهذا النظام. ويوحي سلوك حكومات بعض البلدان المتقدمة النمو بأنها تظن انه لا توجد بلدان سواها على وجه الارض أو بأنها لا تراعي وجود هذه البلدان. المليارات من البشر المقيمين في العالم النامي لهم تطلعاتهم المشروعة الى تحقيق الرفاهة والانصاف والعدالة وتكافؤ الفرص والتقدم. وليس من السليم ولا من المنصف، من المنظورين القومي والانساني والمنظور الاخلاقي، ان تجعل بلداناً متقدمة مهمة تدوين قواعد التجارة الدولية مقصورة عليها وكأن تلك البلدان هي الوحيدة على وجه المعمورة. وتقوم هذه بالتدوين وفقاً لرؤاها ومصالحها. وتشترط دول غربية استيراد منتجات زراعية وغيرها بقيام البلدان المصدرة باجراءات تزعم تلك الدول بأنها تراعي معايير العمل وحقوق العمال ومعايير حماية البيئة. ولا تستطيع بلدان كثيرة، ومنها البلدان النامية، القيام بتلك الاجراءات، وترى هذه البلدان ان اشتراط القيام بهذه الاجراءات نوع من أنواع الحمائية وان الهدف الرئيسي في وضع ما تصفه دول غربية بأنه شروط عمالية ضمن القواعد التجارية هو حماية قطاعات متخلفة في اقتصادات تلك الدول، وهي الاقتصادات التي لم تعد قطاعات منها قادرة على المنافسة القوية في بيئة تجارية حرة. والحقيقة ان هذا الشرط قلل حجم صادرات البلدان النامية الى البلدان المتقدمة النمو. ومما له أهميته وجود قواعد واضحة ومحددة تتبعها البلدان النامية في التجارة العالمية، والبلدان النامية بحاجة الى الحصول عن طريق صادراتها على العملات الصعبة اللازمة لخدمة ديونها ولتمويل وارداتها ولتحديث جهازها الانتاجي لكي تصبح ذات قدرة اكبر على التنافس. وحدت هذه الحاجة بالبلدان النامية الى اعتماد سياسات تشجع على زيادة اشتراكها في نشاط الاسواق العالمية. ومن هذه السياسات قيام هذه البلدان بالتغيير البنيوي (الهيكلي) في اقتصاداتها. وقد مارست بلدان متقدمة النمو، مراعاة لمصالحها، ضغوطا مالية واقتصادية لتجعل البلدان النامية تقوم بذلك التغيير. وتطلب هذا التغيير وما يزال يتطلب بذل جهود جبارة لاعادة بنية الانتاج. واحد الظروف التي يجب ان تتوفر لنجاح هدف التغيير الهيكلي فتح ابواب اسواق البلدان المتقدمة النمو في وجه منتجات البلدان النامية ومحاصيلها الزراعية او في وجه قسم كبير من هذه المنتجات والمحاصيل. غير انه توجد عوامل تعيق التحقيق الكامل لهذا الظرف. واحد هذه العوامل اللجوء الى ترتيبات ثنائية يستعاض عن طريقها عن المباديء العامة للتجارة باجراءات ترمي الى التحكم بامكانية الوصول الى الاسواق الوطنية والى تنظيم هذا الوصول. وادت هذه الحالة الاقتصادية العامة على الساحة الدولية الى نشوء عجز كبير في ميزان مدفوعات اغلبية البلدان النامية، وعلى وجه الخصوص البلدان في القارة الافريقية، وتمثلت محصلة لذلك كله في ازدياد حجم المشتقات الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة والتضخم النقدي. وما دامت بنية النظام الاقتصادي الدولي الحالية باقية كما هي فمن المتعذر ازالة الفجوة المتزايدة الاتساع القائمة بين الدول الغنية والفقيرة، بين البلدان المتقدمة النمو والبلدان النامية. ـ استاذ الدراسات الشرق اوسطية ـ الولايات المتحدة