الخميس 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 16 يناير 2003 ثمة فكرة مستجدة باتت تسود الأوساط الفكرية وتتردد في الدوائر الأكاديمية بالولايات المتحدة.. وهذه الفكرة كما حاولنا رصدها ونحاول بلورتها تستند الى مقولة مزدوجة من شقين أساسيين وهما: ـ إن أميركا هي امبراطورية القرن الحادي والعشرين. ـ وأنها - أميركا - امبراطورية مهددة في أمنها وفي سلامها الداخلي وفي طمأنينة شعبها. فيما يتعلق بالشق الأول.. وهو الشق الامبراطوري - الامبريالي كما قد نسميه، فقد شهدت السنتان اللتان انفضتا من القرن الجديد سيلا لم يكف عن التدفق والجريان من الدراسات والمقالات والأوراق البحثية اضافة الى الكتب الصادرة من ميدان العلوم السياسية وكلها تجمع على هذا الدور الامبراطوري الذي أصبح يتعين على أميركا أن تضطلع به سلبا وايجابا بوصفها القطب الأوحد في عالم القرن الحادي والعشرين. في هذا الاطار تقول هذه الطروحات بأن ترشيح واشنطن - العاصمة - لهذا الدور إنما يرتكز بدوره على أربع دعائم رئيسية هي: (1) أنها القوة الجبارة - المادية الوحيدة فوق سطح الكوكب. (2) أنها تمتلك أكبر اقتصادات العالم وأهمها من حيث ضخامة الحجم ودرجة التقدم. (3) أنها تتمتع بما أصبح يطلق عليه علماء السياسة وصف القوى اللينة الناعمة (على حد تعبير مفكر جامعة هارفارد الاستاذ جوزيف ناي) حيث تتجسد هذه القوى اللينة في مدى انتشار وذيوع وجاذبية الأنماط الثقافية الأميركية (قد نسميها من جانبنا بأنها أساليب الحياة الأميركية فلا نظن مثلا أن شطائر الهامبورغر أو شرائط مايكل جاكسون يمكن أن تشكل ثقافة يعتد بها). (4) إن أميركا - وهذا هو الأهم من منظورنا العربي - تمتلك قوة وقدرة فائقة لا سبيل الى تجاهلها بل وينبغي احترامها لأنها قوة التقدم العلمي وقدرة الانجاز التكنولوجي.. ولعلها تكون العامل الأكثر تأثيرا والعنصر الأطول دواما في تشكيل واعادة تشكيل مجريات الأمور في اللحظة الزمنية الراهنة. منذ 25 عاما وبديهي أن هذا الدور الامبراطوري لم يتحقق لأميركا بين يوم وليلة، وإن القرن الحادي والعشرين لم يكن بابا نويل الذي حمل في جرابه التقليدي هدايا الامبراطورية في ليلة عيد الميلاد.. إن الباحث المدقق يستطيع أن يلمح بدايات هذا الدور منذ نحو ربع قرن.. لكن هذا الصعود الأميركي لم يكن واضحا ولا كان باستطاعته أن يفرض نفسه كظاهرة عالمية - كوكبية في ظل وجود القطب الثاني في عالم الثمانينيات - الاتحاد السوفييتي الذي كان يتمتع وقتها بقدرات عسكرية هائلة. ومن مفارقات الظروف أن آفاق ربع القرن الأخير كانت مجللة بنوعين من الضباب الذي كان يستر حقائق الأمور على الأرض: ضباب كان يستر تصدع البنيان السوفييتي الذي كان في طريقه الى التداعي ومن ثم الانهيار.. وضباب كان يستر صعود البنية الأميركية التي كانت في طريقها من مستوى القوة الى مستوى المنعة ومن ثم الى مستوى التفرد التكنولوجي بفضل الطفرة الالكترونية التي مازالت تتجلى مظاهرها مجسدة في ثورة الانترنت والحاسوب. وحين حل عقد التسعينيات.. بدأت ستائر الضباب تنجاب عن المسرح العالمي الذي شهد ظاهرة مزدوجة تجلت أولا في انسحاب المنافس السوفييتي تماما من المسرح.. وتجلت ثانيا في اصابة المنافس الياباني بعلل وأدواء ألمت باقتصادياته التي دخلت يومها مرحلة تراجع وانكماش وركود فيما كان الاقتصاد الأميركي - مع حقبة كلينتون - يخرج من غرفة الانعاش وقد تزود بمزيد من العافية والدينامية وقدرات التجديد. الاستعداد للدور هكذا تهيأت خشبة ذلك المسرح العالمي لاستقبال اللاعب الجديد والوحيد.. الذي يرتدي مسوح الامبراطورية لكي يؤدي دوره بوصفه ضابط الايقاع العالمي في زماننا ولاشك أن العالم يمتلك ذخيرة لها قيمتها من الخبرة والتجارب مع امبراطوريات سبقت على مر التاريخ كان هناك مثلا الامبراطورية الاسبانية في القرن السادس عشر وقد سبقت الى ارتياد البحار الجنوبية من الكرة الأرضية.. وكان هناك أيضا الامبراطورية البريطانية التي تسيدت على بقاع شتى بين اليابسة والماء طيلة القرن التاسع عشر وحتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين. لكن امبراطورية الأسبان، وامبراطورية الانجليز كان لكل منهما منافسون.. يحاولون - وينجحون أحيانا - في أن يقضوا أنفسهم بجيوشهم وأساطيلهم كي يكونوا شركاء مع الاسبان والانجليز في الفوز بكعكة النفوذ الامبراطوري سواء كانت هذه الكعكة محشوة بتوابل الهند أو بكاكا وغرب افريقيا أو بأجود أصناف القطن في مصر والسودان.. كان هناك مثلا منافسون من البرتغال ضد اسبانيا ومنافسون من فرنسا ضد انجلترا.. نموذج الرومان امبراطورية أميركا الراهنة ليس لها منافسون على الأقل حتى كتابة هذه السطور. ربما يكون النموذج الذي تقاس عليه هو نموذج أقدم عهدا في سجل التاريخ الانساني وهو الامبراطورية الرومانية التي قام على أمرها - كما تعرف ولاشك - يوليوس قيصر ومن جاء بعده من أباطرة امتد نفوذهم عبر رقعة العالم القديم من بلاد السكسون في شمال أوروبا الى بلاد غالة في فرنسا الى الشواطئ الشرقية والجنوبية من البحر الأبيض المتوسط. مع ذلك كانت امبراطورية روما القديمة محدودة المساحة رغم اتساع رقعتها بقدر محدودية العالم الذي كان قد تم اكتشافه في تلك القرون القليلة التي سبقت ميلاد السيد المسيح عليه السلام. لهذا يظل لامبراطورية واشنطون الراهنة طابعها المتفرد فلا هي مجرد امبراطورية الانجليز التي لم تكن تغرب الشمس على أرضها ولا هي امبراطورية الرومان التي كانت أشبه بقرص الشمس يشع ضياؤه على رقعة بعينها من كوكبنا وأحيانا من بعيد لبعيد. إننا حين نطالع الحوليات الفكرية الأميركية المعاصرة يستوقفنا وصف يذهب اليه أحد علماء السياسة الأميركان هو البروفيسور «جيمس كيرث» أستاذ العلوم السياسية وأحد كبار المتخصصين في معهد بحوث السياسة الخارجية في فيلادلفيا يقول فيه: ـ إنها امبراطورية، غير مسبوقة في التاريخ.. هي نموذج وحيد سواء من حيث اتساع النطاق أو من حيث تفرد الصورة - الطابع أو الشخصية - ذلك لأنها تسعى الى «اعادة اختراع الدول والأمم حسب صورتها الخاصة هي». (شهرية كرنت هستوري المعنية بعلوم السياسة والتاريخ، عدد ديسمبر 2002). اعادة اختراع الدول لقد عمدنا الى وضع العبارة الأخيرة من وصف الدكتور كيرث بين فاصلتين لأننا نرى في كلماتها ومعانيها ودلالاتها مكمن الخطر الذي باتت تمثله النزعة الامبراطورية الأميركية على أوضاع عصرنا ومجريات الأمور فيه: نفهم أن تحاول كل أمة وكل دولة أن تؤثر في غيرها.. ونفهم أن يجهد كل شعب في تصدير أفكاره وأنماط سلوكه ومفردات ثقافته الى خارج حدوده. لكن الذي لا نفهمه أن يتم ذلك يوما بأسلوب الفرض أو الإملاء، ناهيك عن الغضب أو القهر أو تحت شعار لا يمكن أن يقبله أحد وهو: ـ من ليس معنا.. فهو ضدنا. وقد زاده الرئيس الأميركي بوش أو فلنقل أضاف اليه شحنة سلبية تدفع نحو مزيد من العداوة والكراهية بين الأمم والشعوب حين قال بعد فاجعة سبتمبر 2001: ـ من ليس معنا .. فهو مع.. الارهاب(!) وبالمناسبة.. فقد طرح شعار «اعادة الاختراع» المذكور أعلاه منذ أوائل التسعينيات.. وكان يقصد به إضفاء تغييرات توصف بأنها جذرية أو أساسية أو هيكلية على الأوضاع والأفكار والكيانات. لجنة نائب الرئيس ثم وجد هذا الشعار طريقه الى بؤرة الاهتمام حين استخدمته لجنة حكومية رفيعة المستوى ظلت تعمل خلال ولاية الرئيس السابق كلينتون من أجل تبسيط الاجراءات الحكومية وتيسير خدمة المواطنين - الأميركان طبعا سواء باصلاح الجوانب المؤسسية لحكومة واشنطن بمعنى الهياكل والوكالات والمصالح والهيئات والوزارات دمجا أو استحداثا أو الغاء أو اعادة تعريف للمسئوليات والصلاحيات باصلاح آليات الانفاذ على أرض الواقع بمعنى أدوات وأساليب وضع اللوائح والقوانين والأنظمة موضع التنفيذ. كانت اللجنة المذكورة برئاسة السيد آل جور نائب رئيس الجمهورية شخصيا وحين صدر تقريرها في منتصف التسعينيات لقي اهتماما واسعا وانتقل هذا الاهتمام الى منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها حيث وصفته دوائر برنامج الأمم المتحدة الانمائي بأنه «إنجيل الاصلاح الحكومي».. وكان التقرير قد حمل العنوان التالي: ـ اعادة اختراع.. الحكومة. وطبعا كانت التسمية من واقع الابتكارات الأميركية التي تحسن التفنن في الصياغات والتوصيفات التي برع فيها اختصاصيو الاعلانات. بعدها دخلت التسمية قاموس السياسة ومعاجم الشأن العام في الولايات المتحدة.. لدرجة أن رددتها مؤخرا الأوساط الصحفية الأميركية في معرض حديثها عن التجديدات التي حاول أن يضفيها آل جور على منهجه السياسي وأساليب تناوله للقضايا والمشكلات استعدادا لمعاودة دخول السباق الرئاسي في بلاده في عام 2004 وجاء هذا كله تحت عنوان: ـ اعادة اختراع.. آل جور. ورغم أن السيد جور ألمح في الفترة القريبة الماضية الى احتمال عزوفه عن دخول السباق مرشحا لرئاسة البيت الأبيض إلا أن حكاية «اعادة الاختراع» ما برحت مطروحة ومستخدمة ومنصرفة - كما أسلفنا - الى معنى التغيير.. شاملا وجذريا. منطق الفرض مرفوض وما برحت مشكلتنا مع أميركا تتمثل - لا في نزعتها الامبريالية وحسب - بل لأن هذه النزعة - وهي سلبية وتسلطية في الأساس - تدفعها بالضرورة، وكما يذكر البروفيسور جيمس كيرث، الى السعي نحو اعادة اختراع الأمم والدول والشعوب(!). ـ ماذا يعني هذا؟ - إنه يعني ببساطة، وبغير مواربة، ما تفعله أميركا أو ما تعلن عزمها على أن تفعله وهو أن تفرض على أمم ودول وشعوب العالم أوضاعا وأفكارا ومعطيات وطروحات تراها واشنطن أنها الأفضل وأنها الأكثر صحة وصوابا ومنطقية وضرورة., ولقد يكون الهدف معقولا.. بل قد يكون مفيدا أو حتى نبيلا.. لكن ينال من المعقولية والجدوى بل ومن النبل وحسن النية أن يتم هذا كله.. بمنطق الفرض أو القسر - دع عنك للأسف الشديد منطق العنجهية في السياسة واستخدام القوة العسكرية - وهي غاشمة بالضرورة. قد تكون الغاية شريفة لأنها تتعلق في حسبان الامبراطورية الأميركية بالتحول الديمقراطي واقرار حقوق الانسان وتحرير سوق الاقتصاد واستتباب السلم العالمي. لكننا تعلمنا في ادبيات السياسة العربية أن الوسائل لابد أن تتكافأ شرفا ونبلا مع الغايات. وهل هناك أشرف في حياة الناس من هدف أن يؤمنوا وتطمئن نفوسهم؟.. لكن ها نحن نتعلم من تراثنا الشريف ومن معطيات ثقافتنا المضيئة أن الدعوة الى الايمان لابد وأن تتبع سبيل الحكمة بمعنى التعقل والمنطق والموعظة الحسنة والجدل - الحوار بالتي هي أحسن.. وليس لأحد - كائنا من كان أن يكره الناس على أن يكونوا مؤمنين.. أو يكونوا ديمقراطيين أو مستنيرين. ومن حق الناس أن يترك لهم حرية الاختيار أن يقبسوا من أميركا قيما هي ايجابية في الصميم ومنها تكريس مبادئ المشاركة الشعبية واعلاء شأن العلم التجريبي ومحاولة رفع الأسوار وازالة الحواجز التي قد تحول بين الانسان وحرية الفكر وانطلاق الابداع.. لكن ينبغي أن يترك للشعوب والأمم من جانب آخر حرية أن ترفض أو تصرف النظر عن أنماط وأوضاع وسلوكيات منظومة الحياة الأميركية ما برحت موضع رفض بل وادانة.. ما بين تكريس العنف المسلح داخل المجتمع الأميركي ذاته أو تصدع مؤسسة الأسرة والحياة العائلية أو تكريس نزعة الفردية الى حد الأثرة الأنانية.. فما بالك بأبشع ما شهدته أنساق الحياة الأميركية مؤخرا من نزعة التهجم على ثقافات الآخرين بل وعقائد وديانات الآخرين. بين الفكر والقهر حتى التراث المضئ الذي ظل يحتل به اعلان الاستقلال الأميركي مؤكدا على حقوق الانسان وفي مقدمتها كما يقول نص الاعلان «الحق في الحياة والحرية وتحقيق السعادة» للبشر - حتى هذه القيم أصبحت في نظر لفيف من المفكرين الأميركيين أنفسهم أفكار لم تضئ مسيرة التقدم للعالم بقدر ما أنها قهرت العالم.. على حد ما يذهب اليه كتاب حديث الصدور من تأليف مفكر مهم هو مايكل ماندلباوم وقد اتخذ له - يا للغرابة - العنوان التالي: ـ «الأفكار التي قهرت العالم: السلم والديمقراطية والأسواق الحرة في القرن الحادي والعشرين».. وقد يكون منطوق هذه الأفكار عظيما وهو في الجوهر كذلك.. لكن من الذي ندبها لكي تقهر العالم أو تغزوه؟ ومن الذي يفرض السلام بقوة الجبروت.. أو يقدم الديمقراطية على أسنة رماح الغزو أو يفتح أسواق التجارة تحت تهديد السلاح؟. كن أخي.. وإلاّ زمان.. أصدر المفكر الاسرائيلي حركيبي كتابه الشهير بعنوان «حمائم وصقور».. وقد تناول فيه فكرة فرض السلام على العرب بالقوة الجبرية.. يومها قدم العلامة العربي المصري جمال حمدان تحليلا لهذه الفكرة.. وطرح إيجازا بليغا لها حين قال: ـ كأن حركيبي يقول لنا.. كن أخي.. أو أقتلك! لهذا نقول للساسة الأميركيين.. على فرض حسن النوايا أصلا: ارجوكم.. اتبعوا منطق الحوار والاقناع.. وحاولوا أن تؤثروا.. بل وتحققوا مصالحكم القومية بمنطق النموذج الأفضل الذي يمكن احتذاؤه دون ضرورة محاكاته حذو النعل بالنعل كما يقول بلغاء العربية. باختصار.. نرجوكم ألا تعيدوا اختراع العالم. ـ كاتب سياسي من مصر