الاربعاء 12 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 15 يناير 2003 في الوقت الذي يتجه العالم إلى تخصص التخصص، ويجزأ التخصص الواحد إلى ما لا نهاية من التخصصات الأدق والأكثر تحديدا، يبقى فن ادارة المجاميع في نظر بعض المسئولين منصبا ليس إلا، يمكن ان ينطبق على أي مجموعة عمل بما فيها المتخصص في الجانب الفني والتقني البحت. وبحكم التنقلات التي تشهدها بعض المؤسسات العامة بين الحين والآخر، خصوصا في الادارات ذات الطبيعة الفنية والهندسية، بات العمل الذي يمكن لموظف واحد ان يؤديه بحكم خبرته، يتوزع على أكثر من موظف، ويستهلك جهدا أكبر ووقتا أطول. فالمدير صاحب القرارات الرزينة التي تصب في مصلحة العمل، لم يعد في بعض الدوائر الحكومية قادرا على ان يتخذ من فوره قرارا على قدر من الاهمية، بعد ان افقده النقل إلى ادارة جديدة، خبرة طويلة امتدت سنين في مجاله السابق، لا يمكن لأي بديل آخر ان يعوضها، وبالتالي يجد هذا المدير- القديم الجديد - نفسه مضطرا إلى الاستعانة باستشاري يساعده على تدارك الأمر ويوجهه الى اتخاذ القرار الانسب. وعلى المدى البعيد فإن هذه الاجراءات من شأنها ان تحجب الكثير عن استكمال دراساته العليا، والخوض في مجالات أكثر تخصصية، خوفا من النقل إلى مجال عمل آخر، فيكون بذلك قد أهدر وقته وجهده وماله فيما لا يلزم، فما فائدة الدراسة ما لم تكن في صميم الهدف المستقبلي، وطموح رقي العمل؟ كم من العقول المفكرة اهدرت في المناصب الادارية، بيد انه كان بالامكان توظيفها بشكل افضل لخدمة المجتمع، لتكون نواة للاجيال القادمة، بدلا من إحالتها إلى الهامش الاداري، ليبقى الوضع معتمدا على العقول الاجنبية والخبرات الوافدة في كثير من المجالات، فالمهارات الادارية غير المدعمة بالخبرة في مجالها لا تكون أبدا ناضجة وذات أثر. ان امر تدوير المناصب الادارية بين الادارات الفنية وغيرها لا يعطي الموظفين الحافز والطموح الذي يرغبون بتحقيقه، ولا يمكن اعتماد تقييمهم، فالعملية ليست ادارة بحتة، وإلا لم يكن هناك داع للتخصص في مهنة الطب والمحاماة والاقتصاد والسياسة، لذا فان ليس كل شخص متخصص يمكن ان يكون معلما. ولو ظلت الدول المتقدمة على تدوير المناصب ما افرزت هذا الكم من التخصصات، بينما حولت موظفينا إلى اداريين هواة، ولم يعد بيننا محترف، لان الادارة ليست مجرد اساليب وخطوات يمكن تعلمها، بل موهبة وصفات يجب ان يتحلى بها المدير، مع ذلك فهي ليست ذات قيمة هندسية، كما ان نعطي شخصا ما دليلا لقيادة الطائرة وما هو بطيار. من هنا تبرز أهمية تشجيع التخصصية لرفع شأن المواطن والبلد فنيا، وتحفيز الاجيال على الاقبال على التخصصات التقنية، فغير تخصص الطب لم نشهد مواطنين متخصصين في مجال ما، ممن يشار لهم بالبنان كتخصص في مجال الميكانيكا أو التميز في مجال الهندسة ليبرعوا في مجال عملهم، في الوقت الذي تبرز الكفاءات الادارية الناجحة، لان معظم التخصصات وللاسف تنتهي بالمواطن إلى ان يصنف ادارياً ناجحاً أو ادارياً غير ناجح.