الاربعاء 12 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 15 يناير 2003 ما أعجب فوارق التاريخ، قبل نصف قرن تقريبا نشأت خصومة حادة بين بريطانيا والولايات المتحدة بسبب «حرب السويس» رئيس الوزراء البريطاني انتوني ايدن كان الطرف الاحمق الذي عقد العزم على شن الحرب، بينما كان الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور الطرف العاقل الذي كان يحاول تهدئة حليفه. واليوم انقلبت المعادلة: جورج بوش منهمك في التحضيرات المحمومة للحرب، بينما يجنح توني بلير الى السلم ناصحا حليفه الاكبر بالتريث. وبعد ان شن ايدن الحرب على مصر عبدالناصر في عام 1956 «بتواطؤ مع فرنسا واسرائيل» لم يفلح الا في اثارة عاصفة غضب عاتية في اوساط الرأي العام البريطاني انتهت به، ليس الى السقوط فحسب بل ايضا الخروج نهائيا من الحياة السياسية، بعد ان افضت به الى حالة من المرض النفسي لازمته حتى رحيله من الدنيا بعد 11 عاما من الهزيمة في السويس. فهل يلقى جورج بوش مصيرا مماثلا اذا اشعل نار الحرب ضد العراق في وجه معارضة تتعاظم يوميا داخل الولايات المتحدة نفسها؟ من المستحيل في هذه المرحلة المبكرة الحافلة بكل الاحتمالات المتناقضة في التحرك الاميركي التنبؤ بالمصير النهائي للرئيس بوش، ولكن، اذا كانت تلك المظاهر التي خرجت هذا الاسبوع في لوس انجلوس وقوامها خمسة الاف بقيادة الممثل الاميركي الاشهر مارتن شين، مضافا اليها مظاهرة تاليه سوف تخرج الاسبوع المقبل في سان فرانسيسكو، مؤشرا مبدئيا لما سيكون عليه فوران الشارع الاميركي عندما تبدأ الحرب فعلا، فإن بوش يكون موعودا دون ادنى شك بيوم قيامة في عقر داره. ولكن ربما يكون رفيقه وحليفه الاقرب توني بلير موعودا بما هو أجل وأعظم في بريطانيا، والفارق بين الولايات المتحدة وبريطانيا هو ان الرأي العام في بريطانيا اقوى من الرأي العام في اميركا وهذا مما يفسر لماذا عقد بلير العزم على التوجه الى واشنطن قرب نهاية الشهر الجاري لتقديم النصح الى حليفه الاميركي بالتريث وتأجيل الحرب ان لم يكن العدول عنها نهائيا على نحو ما فعل ايزنهاور مع ايدن. ان الارض تميد من تحت قدمي توني بلير، فقد حذر كلايف سولي، احد اكابر اقطاب حزب العمال البريطاني الحاكم من ان بلير قد يواجه ازمة مشابهة لأزمة ايدن في عام 1956 لقد قال سولي لصحيفة «صنداي تايمز» ان هناك خطرا من الدخول في حرب بدون تأييد من الشعب او البرلمان» وقال: نحن لانريد ان نسير على هذا الطريق، فذلك هو ما حدث في السويس عندما سقط رئيس الوزراء وانشقت الامة». ان بلير لا يعارض بالطبع حربا ضد العراق من حيث المبدأ لكنه يخشى الدخول مع الولايات المتحدة في مغامرة عسكرية لا تحظى بدعم من المجتمع الدولي، ويدرك بلير ان غالبية الجمهور البريطاني وغالبية اعضاء البرلمان لايريدون حربا غير مدعومة بواسطة الامم المتحدة، فبينما اعلنت الحكومة البريطانية هذا الاسبوع ارسال قوة بحرية الى الخليج واستدعاء 1500 من جنود الاحتياط حرصت في الوقت ذاته على ان تعلن ايضا ان مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة «يحتاجون المزيد من الوقت» لعملهم في العراق. هل يراجع جورج بوش صفحات التاريخ القريب ومصير انتوني ايدن كما يفعل رصيفه توني بلير الآن كما يبدو؟ وهل تصح المقارنة اصلا بين بوش وايدن، والسويس والعراق؟ لنستعد الى الاذهان ان رئيس وزراء بريطانيا في خمسينيات القرن الماضي كان يخطط للحرب سرا بحيث ان اندلاع الحرب كان مفاجأة للبرلمان وقسم من الوزراء والولايات المتحدة، الان تكاد تكون خطط الولايات المتحدة لغزو العراق منشورة على صفحات الصحف وشاشات التلفزيون وعلى مدى طويل يحسب بالشهور. وان كانت هذه المقارنة تعني شيئا فانها تعني انه بينما تفجرت المعارضة الشعبية في بريطانيا في السابق رغم فجائية الحرب فإن الشارع الاميركي الآن مهيأ للمعارضة قبل وقوع الحرب، وفي حالة اندلاع الحرب ضد العراق فان الهيئات الشعبية في الولايات المتحدة من مختلف المشارب والاجندات جاهزة منذ الآن للاحتجاج وتأليب الشارع. مع ذلك فان احتمالات اصرار الادارة الاميركية على المضي قدما في اشعال الحرب من ناحية او تراجعها عن خيار القتال من ناحية اخرى تبدو حتى الآن متعادلة، فالرئيس بوش يدرك دون شك حتمية العاصفة الشعبية في حالة اتخاذ قرار لصالح خيار الحرب لكنه في الوقت نفسه محاط على مستوى آلة اتخاذ القرار بضغوط شديدة من عناصر كبرى داخل ادارته تمثل قوى ضغط متنوعة من بينها اللوبي اليهودي و«التحالف المسيحي الصهيوني» وملوك صناعة السلاح الذين يرون في حرب العراق المرتقبة فرصة لتجريب احدث منتجاتها من التكنولوجيا المتقدمة لادوات القتال. لذا فان نجاح توني بلير في اقناع بوش بالتريث مرحليا او نهائيا قد يتحقق وقد لا يتحقق، ولكن اذا قررت الادارة الاميركية في نهاية المطاف شن الحرب دون دعم من مجلس الامن الدولي فان اغلب الظن ان بريطانيا لن تشارك في المخاطرة.