الاربعاء 12 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 15 يناير 2003 اجتماع اخر جمع وزراء خارجية دول اتحاد المغرب العربي الاسبوع الماضي في الجزائر بدون التوصل الى تحديد تاريخ انعقاد القمة المغاربية. تأتينا الاخبار بين الآونة والأخرى عن اجتماعات ولقاءات بين مسئولين في دول اتحاد المغرب العربي بشأن تفعيل هذا الجهاز وجعله في مستوى طموحات شعوب المنطقة، لكن هذه الاخبار تتوقف فجأة وبذلك يتوقف التفكير في تحديد تاريخ انعقاد القمة المغاربية على مستوى رؤساء الدول. هذه القمة لم تعقد منذ سنة 1994 وهذا يعني ان الاتحاد أصبح حبرا على ورق ولم يستطع تجاوز المشكلة المحورية والرئيسية القائمة حول الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب. وبكل صراحة ما دام هذا الاشكال قائما فان الكلام عن اتحاد المغرب العربي يبقى ضربا من الخيال والنفاق السياسي. كيف تستقبل دول المغرب العربي الالفية الثالثة؟ وكيف تواجه العولمة والتكتلات الاقليمية والقارية في مختلف المجالات وخاصة الاقتصادية منها؟ وهل ستبقى هذه الدول ضحية لا حول ولا قوة لها امام مخططات ومشاريع الاتحاد الأوروبي من جهة ومشروع «ايزنستات» من جهة اخرى. دول عظمى تتعامل مع الدول المغاربية ككتلة واحدة والدول المغاربية مع الاسف الشديد تتعامل بطريقة منفردة مع تكتلات ضخمة. أزيد من عشر سنوات مرت على الاتحاد المغاربي لكن بدون جدوى، وكانت الآمال معلقة بمجيء الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والملك محمد السادس، لكن بقيت الأمور على حالها واصطدمت كل محاولات التقارب والتفعيل على صخرة مشكلة الصحراء الغربية التي بقيت ومنذ أكثر من ربع قرن الحاجز الرئيسي امام اتحاد دول المنطقة. فالتطورات التي طرأت على مستوى الجزائر والمغرب وانعكاساتها على انفراج مصير اتحاد المغرب العربي ادت الى تفاؤل الجميع في المنطقة بأن الحدود بين البلدين ستفتح، وان القمة ستعقد في موعدها المحدد في الجزائر لاستدراك الوقت وما فات من أجل تكتل مغاربي يكون في مستوى متطلبات الألفية الثالثة، خاصة وان مستلزمات النجاح متوفرة وان الدول الخمس في المنطقة تكمل بعضها البعض، لكن أمورا كثيرة حدثت ما بين مجيء كل من الرئيس بوتفليقة والملك محمد السادس الى سدة الحكم والفترة الراهنة. حبر على ورق بعد اكثر من عقد من الزمن على تأسيسه مازال اتحاد المغرب العربي لم يضع دستوره ومازال لم يحدد بعد علاقته مع الاتحاد الأوروبي ومختلف الاتحادات والتكتلات الاخرى، اكثر من عشر سنوات مرت ليجد اتحاد المغرب العربي نفسه في مفترق الطرق، فلا نتائج تذكر على الصعيد الاقتصادي او السياسي، او الاجتماعي او الثقافي او التعليمي.. الخ، شعوب المنطقة مازالت تعيش حالة الاغتراب والاكتئاب والتنافر، رغم ان كل المعطيات في صالحها لتتخلص من الحواجز ومن جوازات السفر والتأشيرات والحدود. اذا رجعنا قليلا الى التاريخ وبالضبط الى مؤتمر طنجة في 26/4/1958 والذي جمع ممثلين عن كل من جبهة التحرير الوطني من الجزائر وحزب الاستقلال من المغرب وحزب الدستور الجديد من تونس، هذا المؤتمر كان بجميع المقاييس والمعطيات نواة لاتحاد مغاربي ناجح، نظرا للعوامل المشتركة التي تجمع دول المنطقة والتي تتمثل في اللغة والدين والتاريخ والثقافة والمصلحة المشتركة ووحدة شعوب المنطقة وتكامل الاقتصاد.. الخ فالكل آنذاك كان يبشر بنجاح الاتحاد. والمتتبع للتاريخ السياسي للمغرب العربي يتذكر جيدا الدور الذي لعبته الدول الثلاث (تونس ـ المغرب ـ الجزائر) في مساندة بعضها البعض في محاربة الاستعمار الفرنسي والتخلص منه، حيث ان كل دولة كانت سندا متينا للدولة الاخرى، وهنا نرى ان دول المغرب العربي كانت اكثر تلاحما ومساندة وتعاونا في فترة الاستعمار منها في فترة ما بعد الاستقلال. وجاءت فترة الاستقلال وبدأت تظهر المشاكل التي عرقلت على ما يزيد من ثلاثة عقود وجود اتحاد مغرب عربي فعال، قوي يتصدى وينافس الاتحادات والتكتلات الاقليمية الاخرى. فبعد استقلال الجزائر وبعد 14 شهرا بالضبط وقع في اكتوبر 1963م صراع بين المغرب والجزائر على الحدود الجنوبية الغربية. وبقيت أحداث 1963 نقطة سوداء في العلاقات ما بين الجزائر والمغرب وتركت انعكاسات سلبية على مسيرة الاتحاد فيما بعد. وبعد هذا الصراع جاءت سلسلة من المؤتمرات واللقاءات وصل عددها الى ستة وامتدت من 1964م الى 1970م نجمت عن ميلاد لجنة مغربية استشارية، لم تفعل الكثير وبقيت حبرا على ورق في معظم الأوقات. ومن سنة 1974م الى 1988م مر مشروع اتحاد المغرب العربي بفتور وبشلل كامل، وحتى مستوى التبادل التجاري لم يتعد 3% من التجارة الكلية وهذا لا يشجع بطبيعة الحال على الكلام او التحدث عن اتحاد في الافق. وتجدر الاشارة هنا الى ان السياسات الاقتصادية لدول الاتحاد كانت متباينة، فالمغرب وتونس يطبقان سياسة الاقتصاد الحر والجزائر وليبيا يطبقان الاقتصاد الاشتراكي، وفي ظل هذا التباين الايديولوجي يصعب اي تنسيق او تخطيط لاقتصاد مشترك بين الدول الخمس في الاتحاد. وهذه الفترة بالذات تميزت بظهور أزمة الصحراء الغربية التي خلطت الاوراق على الاتحاد وقضت على كل الآمال والاحلام، حيث مست ثلاث دول في الاتحاد وهي المغرب والجزائر وموريتانيا. الازمة كانت معقدة ومتشابكة وهي مستمرة الى يومنا هذا رغم المجهودات المختلفة لمعظم المنظمات الاقليمية والدولية. وجاء 12 من يونيو 1988م ليجمع قادة المغرب العربي (الجزائر ـ المغرب ـ تونس ـ ليبيا وموريتانيا) في زرالدة بالجزائر حيث انبثق المؤتمر عن تكوين خمس لجان لمتابعة تنفيذ الاتحاد في الميدان وفي جميع المجالات. وجاءت اهم توصيات المؤتمر مؤكدة على «انشاء منطقة للتبادل التجاري الحر قبل 1992م وانشاء اتحاد جمركي قبل سنة 1995م وانشاء سوق مغاربية مشتركة في سنة 2000م»! وجاء مؤتمر مراكش في 17 فبراير 1989م ليعلن رسميا عن ميلاد اتحاد المغرب العربي، الذي وجد كاسم وكهيئة وكجسد خال من كل روح ومن كل انجازات تفيد شعوب المنطقة. فتوصيات زرالدة بقيت حبرا على ورق ولم يتحقق منها شيء، وبقي مشكل الصحراء الغربية المشكل رقم واحد الذي انكسرت عليه وفيه كل المحاولات الصريحة والجريئة لتوحيد المنطقة فصراع الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب وبدرجة اقل موريتانيا قضى على كل الآمال والطموحات الوحدوية في المنطقة. ثم جاءت قضية لوكيربي والحصار على ليبيا الامر الذي ادى الى اضعاف خطير للجماهيرية وللطموحات الوحدوية للعقيد معمر القذافي الذي لام واستاء كثيرا من موقف دول الاتحاد من محنته وأزمته. وجاءت الازمة الجزائرية والتي تفجرت في يناير 1992م واصابت الاتحاد بشلل عام وشامل. واتحاد المغرب العربي بجزائر مشلولة تصارع الارهاب وتحاول ان تتخلص منه في اقرب وقت يعتبر اتحادا مشلولا وضعيفا. الجزائر التي كان يعول عليها في المنطقة عانت الكثير في السنوات العشر الاخيرة فتراجعت في مختلف الميادين وعانى اقتصادها الكثير، وعايشت مشاكل اجتماعية عديدة ومعقدة، وهكذا تحطمت الآمال والأحلام في منطقة كانت مؤهلة بكل المقاييس لأن تعيش تجربة اتحادية فريدة من نوعها وناجحة. اجهاض الآمال تجارب الاتحادات تاريخيا اكدت ان الاتحاد الذي يفتقد الى اقتصاد قوي والى تبادل اقتصادي وتكامل اقتصادي يبقى حبرا على ورق، والمشكلة في اتحاد المغرب العربي ان التبادل الاقتصادي بين الدول الاعضاء في الاتحاد سنة 2000 على سبيل المثال كان يتراوح ما بين 2 الى 5% بينما تبادل دول اتحاد المغرب العربي مع الاتحاد الأوروبي وصل الى 65% (واردات وصادرات). فحجم التبادل التجاري للجزائر مع دول المغرب العربي لم يتعد 1.7%، اما بالنسبة لتونس وموريتانيا وتونس وليبيا فانه لا يكاد يذكر تماما. ومن هنا ورغم الامكانيات الهائلة لدول المنطقة في التكامل الاقتصادي الا ان التبادل لم يصل الى المستوى الذي يطمح اليه أي اتحاد. المتتبع لاتحاد المغرب العربي لا ينسى كذلك الصراع الخفي بين الجزائر والمغرب على الزعامة في الاتحاد وفي المنطقة، فمنذ ان استقلت الجزائر والصراع قائم، وفي كل مرة كانت احدى الدولتين تحاول ان تكسب ود تونس وموريتانيا وليبيا لعزل الدولة الاخرى، وهذا التفكير بطبيعة الحال يسهم في هدم الاتحاد اكثر من بنائه. الآمال كانت معلقة على اتحاد المغرب العربي في استغلال الامكانيات البشرية (73 مليون نسمة) والاقتصادية (زراعة، ثروات معدنية، بترول غاز، فوسفات، طاقات بشرية هائلة، سياحة... الخ) وكذلك العوامل المشتركة من دين وتاريخ ولغة وعادات وتقاليد وقيم، لتنمية دول المنطقة وتطويرها كذلك لمواجهة تحديات ورهانات الاتحاد الأوروبي الذي تفصل بينه وبين الدول المغاربية مئات من الكيلومترات فقط. هذه الآمال تبددت وكانت دول المنطقة اكثر تلاحما وتضامنا عندما كانت تحت وطأة الاستعمار. ما حدث هو ان كل دولة تشبثت وتمسكت بقناعتها وتوجهاتها وتقوقعت على نفسها وكل دولة غلب عليها طابع الانانية، وبذلك كثرت الشعارات على حساب الاجراءات العملية، وشهدت دول الاتحاد بعض المعاهدات الثنائية وبعض الاتفاقيات المحتشمة والتي لم تستطع ولا تستطيع بأي حال من الاحوال ان تكون فعالة في الواقع وان تتصدى لتحالفات وتكتلات واتحادات اكثر قوة وفعالية. ففي الوقت الذي تحتاج فيه دول المغرب العربي واكثر من اي وقت مضى الى اتحاد قوي وفعال في وقت التكتلات والاتحادات وفي عصر العولمة التي لا ترحم، يتقهقر اتحاد المغرب العربي اكثر فأكثر، وتتكرر الاجتماعات بين وزراء الخارجية وغيرهم لكن بدون فائدة وبدون القدرة على عقد قمة على مستوى رؤساء الدول الخمس. فالجميع اذن يبكي على اطلاق اتحاد مغاربي اجهض قبل ان يرى النور، اتحاد كان من شأنه ان يزيل الحدود وان يوحد الشعوب ويقوي الصفوف اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا. الى متى يبقى اتحاد المغرب العربي جسدا بلا روح؟ والى متى يبقى حكام المنطقة يقللون من أهمية واستراتيجية وحدتهم وتضامنهم في وقت يرى فيه العالم اكبر واعظم الدول تتحالف وتتكتل لتواجه تحديات العصر؟! ومتى ستنعقد قمة الاتحاد المغاربي؟ ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة