الاربعاء 12 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 15 يناير 2003 اهتزت العاصمة البريطانية لندن بعد القاء القبض على ستة جزائريين وبحوزتهم مايدل على انهم يحضرون سم الرايسين، او زيت بذرة الخروع كما تم تعريفه في احدى الاوراق التي تم الحصول عليها في منزل تابع لتنظيم القاعدة في كابل ونشرتها صحيفة التايم اللندنية على صفحتها الاولى غداة القاء القبض عليهم. يقول الكيميائيون ان سم الرايسين اقوى بستة الاف مرة من سم السيانيد الشهير، وان غراما واحدا منه قادر على ابادة ستة وثلاثين الف شخص، وحتى نقرب الامر ونجسم الخطورة فان هذا السم اقوى بستة مرات من سم ثعبان الكوبرا، ولو تم حقن رجل بالغ بوزن ذرة من ملح الطعام لهلك. لا يعنينا السم كثيرا فادوات القتل كثيرة فمن لم يمت بسم الرايسين مات بغيره، تعددت الاسباب والموت واحد، مع اني لا اعتقد ان الموت واحد الا انه لامانع من الاستدلال بالبيت الكئيب هنا، فالموت بسم الرايسين الذي قد يجعل ضحيته تعاني لمدة لاتقل عن ثلاثة ايام ولا تزيد على اربعة عشر يوما يختلف عن الموت السريع الذي تسببه رصاصة مثلا، ولهذا فان بيت الشعر هذا يجب ألا يستخدم إلا في لغة الادب والكتب ولا يتعداها، وما يعنينا هنا هم هؤلاء الشباب الذين كانوا يحضرون لاستخدام هذا السم في عاصمة كبيرة مثل لندن. أمام مبنى البرلمان البريطاني وضع احدهم لافتات كبيرة تندد بالحرب المحتملة على العراق بالاضافة الى صور ضحايا الحروب واقوال محبي السلام، ومع ان كثرة تلك اللافتات وتعدد اشكالها واحجامها واهتراء بعضها بسبب القدم او العوامل الجوية المتعددة في تلك العاصمة تشوه المنظر العام وتؤذي العين الا ان البلدية تركت الرجل ولافتاته التي يصطبح بها البرلمانيون ويمسون بدون مخالفة نظرا لكثرة مؤيديه ومناصريه، فالبريطانيون معارضون لرئيس وزرائهم في حماسه لمشاركة الرئيس الامريكي بوش حربه ضد العراق، ويرون ان اقتصادهم في منحدر شديد قد تجعله الحرب في ادنى مستوياته خلال سنوات، فمعسكر المناصرين للحرب صغير وصوته لايكاد يسمع سوى في قبة البرلمان حين يخطب رئيس الوزراء بلير محاولا تجاهل اصوات المعارضين القوية التي تقطع عليه خطبه من وقت الى اخر. إننا في العالم الاسلامي لانملك رؤية واضحة لما يجب ان نكون عليه، فيرى البعض اننا ضحايا العالم الغربي، فهم الذين زرعوا اسرائيل في قلوبنا، وهم الذين ساعدوا العسكريين على تولي السلطة في دولنا، وهم الذين يخططون لدمارنا واستغلال مقدراتنا وثرواتنا، ولا بد ان يعلن عليهم الحرب كما يعلنون هم الحرب علينا صباح مساء، واعتقد ان هؤلاء الستة الذين القي القبض عليهم في لندن ينتمون الى هذه المدرسة في التفكير. عندما تصل الامة لادنى مستوياتها الحضارية فان تفكيرها واولوياتها وتطبيقاتها ومبادئها واهدافها تنحط ايضا بدورها، فهي تتخبط كتخبط الطائر في قفصه، فلا هي تعرف ماتريد ولا تريد ان يخبرها من يعرف بما تريد ، فالكثير من هؤلاء الشباب الذين يرون في كل غربي عدوا ويرون ايضا في كل عالم مسلم عدوا وفي كل معارض لهم خصما، لقد جمعتني الصدف ببعض من ينتمي الى هذه المدرسة، فهم يسبون العالم الفلاني لانه يقول بحوار الحضارات، ويشكون في دين العالم الاخر لانه يستلم راتبه من الحكومة، ولا يترددون في تكفير من يكتب ضدهم او يهاجمهم وكانهم موكلون بابواب الجنة والنار يدخلون هذا ويرفضون ذاك، انهم خطر على انفسهم وخطر على الامة، فمن يعتقد ان بقتله مجموعة من الابرياء قد يحرر القدس او يسحب القوات الامريكية من المنطقة فهو معتوه بحاجة لمن يتولى امره ويقوم على شأنه. إن الشعوب الغربية شأنها شأن الشعوب الاخرى، بحاجة الى توضيح لما يحدث في المنطقة، فبامكانها ان تقف معنا وتؤيد مطالبنا لو احسنا عرض قضيتنا، فهي شعوب ناضجة تعرف معنى الظلم والعدل وتطالب به، ولكن مالذي تركناه لها حين تقرأ خبر القاء القبض على جماعة تدعي انها اسلامية تحاول تسميم العاصمة لندن بزيت بذرة الخروع ؟ متى سيعرف هؤلاء المتطرفون ان تصرفاتهم تضر بالامة ولا تنفعها، وتزيدنا ضعفا ولا تقوينا، وان ما يفعلونه لايقره شرع ولا دين ولا مروءة، ولكنها الحماقة التي اعيت من يداويها. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com