الاربعاء 12 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 15 يناير 2003 بدا في الآونة الاخيرة ان ثمة تحولاً جوهريا في موقف الحكومة التركية من مستقبل الوضع في جزيرة قبرص المقسمة وهو يتبلور تدريجيا ويشحذ تعبيرات مختلفة. ولعل آخر هذه التعبيرات وابرزها يتمثل بالتصريحات التي ادلى بها زعيم حزب العدالة والتنمية «الحاكم» رجب طيب اردوغان، وقال فيها «انا اعارض مواصلة السياسة المنتهجة في قبرص منذ ثلاثين واربعين عاماً». وفي حين اشار اردوغان الى اهمية التظاهرات الشعبية التي شهدها الشطر الشمالي «التركي» من الجزيرة، مطالبة باعادة توحيد الجزيرة واعتبرها حدثا غير عادي «ولا يمكن تجاهل ارادة الشعب التركي في قبرص» وجه انتقادات علنية ومباشرة الى الزعيم القبرصي التركي رؤوف دنكطاش بسبب موقفه السلبي من مشروع الامم المتحدة الخاص بتسوية المشكلة القبرصية، مؤكداً ان الملف القبرصي «ليس مسألة شخصية تتعلق بدنكطاش وانما هو يمثل كفاح الشعب التركي في قبرص. وربما جاءت تصريحات اردوغان رداً ولو متأخراً، على ملاحظات كان ابداها دنكطاش في وقت سابق، حيث قال، ان مسألة بدأت قبل اربعين عاما لا يمكن ان تغير انقرة موقفها منها بين يوم وليلة، واضاف: اذا كان بعضهم يريد ان يغير موقفه فإن عليه ان يخبرنا في وقت مبكر، ولكن ايا يكن السبب، فقد اظهرت هذه التصريحات نفاد صبر الحكومة التركية الحالية ـ التي تختلف في توجهاتها عن حكومة اجاويد السابقة ـ ورغبتها في الاسراع بمعالجة الملف القبرصي حتى يصبح باستطاعتها اقامة علاقات تركية ـ اوروبية سوية تمهد لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي بعد عام 2005، وفقاَ للوعد الذي قطعته على نفسها قمة كوبنهاغن الاوروبية الاخيرة. ولاحظ المراقبون ان تطور الموقف الحكومي التركي في اتجاه الضغط على الزعيم القبرص التركي ـ رؤوف دنكطاش لحمله على قبول خطة الأمم المتحدة لتسوية المشكلة القبرصية، جاء في اعقاب اجتماع عقده كبار المسئولين الاتراك مع دنكطاش، ومن بينهم اردوغان، وان يكن اردوغان حاول بعد هذا الاجتماع خلق انطباع خارجي بأن الحكومة التركية تتبنى موقفه المتحفظ حيال الخطة الدولية. بيد ان زعامة حزب العدالة والتنمية كانت تسعى، في الوقت ذاته، ومن خلال اتصالاتها الاقليمية والاوروبية، الى التبشير بسياسة تركية جديدة، قوامها التعامل بايجابية مع مشروع الامم المتحدة، مع التأكيد على ان صيغة شبيهة بتلك المعتمدة في النظام الاداري البلجيكي، ستكون مقبولة لديها وهو ما تدعو اليه خطة الامم المتحدة في صورة غير مباشرة. كل ذلك دل الى وجود تناقض حقيقي بين انقرة وحزب العدالة من جهة وموقف دنكطاش من جهة اخرى، وربما هذا يفسر ايضا المظاهرات الحاشدة التي يستهلها الشطر الشمالي من جزيرة قبرص والشعارات العنيفة التي رفعت فيها. فمن الملفت للانتباه انه لأول مرة في تاريخ القضية القبرصية يخرج عشرات الالوف من القبارصة الاتراك مطالبين رؤوف دنكطاش بالاستقالة، وهو الذي كان على الدوام «الزعيم الاوحد» الذي يلتف حوله اتراك الجزيرة ويمنحونه ثقتهم الكاملة. فهذا الوضع مستمر منذ الاستقلال عن بريطانيا عام 1960 والى ما بعد قيام «جمهورية شمال قبرص التركية» التي لم تعترف بها سوى انقرة في اعقاب غزو الجيش التركي للجزيرة عام 1974، وفرضه امراً واقعاً تقسيميا معيناً مازال قائماً حتى اليوم. وهناك مراقبون لا يستبعدون ان يكون لأنقرة، ولحزب العدالة والتنمية تحديداً، دور في تحريك هذه المظاهرات شبه المستمرة، ما يعكس رغبة تركية في حسم هذه المسألة بسرعة حتى ولو ادى الامر الى ازاحة دنكطاش وتعيين خلف له، لاسيما وان الاوضاع الصحية للأخير قد تبرر اتخاذ مثل هذا الاجراء الاستثنائي. عوامل التغيير في انقرة ويرى المحللون ان عوامل عدة اسهمت في بلورة موقف الحكومة التركية الجديدة من ملف القضية القبرصية على النحو الذي تبدو ملامحه الآن، ومن هذه العوامل: أولاً: اظهر حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب اردوغان قدراً كبيراً من الانفتاح والبراغماتية السياسية يتيح له التعامل مع مختلف الملفات التي لتركيا علاقة بها دون التوقف عند اي عقد قديمة. وقد ساعدت الجولات العالمية التي قام بها اردوغان بعد فوز حزبه في الانتخابات التشريعية الاخيرة وتسليمه السلطة بمفرده، في تعزيز هذا الانطباع الايجابي حيال اردوغان شخصياً، وحيال حزبه برغم خلفيته الاصولية. ثانياً: ادركت الحكومة التركية الجديدة ان الموافقة على ضم «الجمهورية القبرصية» «الشطر القبرصي اليوناني» الى الاتحاد الاوروبي، افقد انقرة المبادرة تماماً في تعاملها مع هذا الملف القديم، فقد خسرت الورقة التي كانت تضغط بها دائما على اوروبا للحصول بعض المكاسب، سواء فيما يتعلق بالملف القبرصي ذاته، او ما يتصل بموضوع انضمام تركيا نفسها الى الاتحاد الاوروبي. ذلك ان انقرة هددت مراراً بالاقدام على ضم شمال قبرص اليها نهائيا اذا ما نفذ الاتحاد الاوروبي قراره بضم «الجمهورية القبرصية» اليه، قبل توحيد الجزيرة اولاً وقبل ضم تركيا ثانياً. لكن الاتحاد الاوروبي نفذ اجراءاته المتعلقة بضم «الجنوب القبرصي» الى جانب تسع دول اخرى، وفقا للجدول الزمني الذي وضعه في وقت سابق، دون حدوث اي رد فعل تركي سلبي. وفي الواقع فإن تركيا لم تكن تملك الوسيلة التي تتيح لها تعطيل دخول «الجمهورية القبرصية» الى النادي الاوروبي من دون ان تلحق اضراراً فادحة بنفسها أولاً. ثالثا: حصلت الحكومة التركية الجديدة على وعد بالموافقة على ضم تركيا الى الاتحاد الاوروبي في ديسمبر 2004 اذا استعرضت معايير الانضمام المحددة، ومنها اتخاذ موقف ايجابي من موضوع اعادة توحيد جزيرة قبرص، وفقاً للمشروع المقدم من الامم المتحدة، واذا كانت انقرة خسرت الورقة التي ظلت تلوح بها دائما بعرقلة ضم «الجنوب القبرصي» الى الاتحاد الاوروبي، فلم لا تستفيد من امكانية ضم قبرص الموحد كلها الى الاتحاد، اذا كان ذلك يسهل انضمامها هي ايضا؟ وفي هذه الحالة فإن موقفها الايجابي من اعادة توحيد الجزيرة سيكون له فائدة مزدوجة: انضمام الجزيرة بشطريها وانضمام انقرة ايضا، ناهيك عن انها ستحول الشطر الشمالي «التركي» الفقير بالمساعدات الاقتصادية المجزية المخصصة للدول المنضمة حديثاً الى الاتحاد الاوروبي، ما يساعد على تحسين وضعه الاقتصادي، حيث يتدنى مستوى الدخل الفردي فيه الى 3 آلاف دولار سنوياً، بينما يرتفع الدخل الفردي في الشطر الجنوبي «اليوناني» الى 13 الف دولار سنوياً فبعد توحيد الجزيرة من الطبيعي ان يحدث نوع من المساواة الاقتصادية بين الشطرين كما حدث بعد اعادة توحيد المانيا في اواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وهو ما يستجيب ايضا لاحد ابرز معايير الانضمام الى الاتحاد الاوروبي. رابعا: شهدت العلاقات اليونانية ـ التركية تطورات ايجابية خلال الاعوام الماضية استفاد منها الطرفان في مجالات عدة، واذا ما واصلت انقرة سياستها المعرقلة لاعادة توحيد جزيرة قبرص، فليس من المستبعد ان تتدهور العلاقات الثنائية من جديد، مما سيكون له انعكاسات سلبية على احتمالات انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، فاثينا كانت ابرز المعارضين لدخول تركيا النادي الاوروبي، وهي تملك حق استخدام الفيتو في هذا المجال، فماذا تستفيد انقرة من استعداء اليونان مجدداً، في الوقت الذي تبحث عن داعمين لموقفها؟ خامسا: اذا تمسكت تركيا بسياساتها السابقة ستصبح المشكلة بين الاتحاد الاوروبي مجتمعاً، وبينها منفردة، وهو ما يضع حزب العدالة والتنمية في موقف حرج جداً مع بداية تسلمه السلطة في انقرة. بين انقرة وشمال قبرص والمحللون يعتقدون انه اذا تخلت انقرة عن موقفها المعارض لمشروع الامم المتحدة الخاص باعادة توحيد الجزيرة، فلن يكون في وسع الحكومة التي تدير شئون الشطر الشمالي من قبرص تحت تسمية «جمهورية شمال قبرص التركية» التصدي للمشروع بمفردها والاستمرار في اعاقة توحيد الجزيرة فهناك 35 الف جندي مازالوا يرابطون في شمال الجزيرة منذ غزو 1974، ومن بين شروط الاتحاد الاوروبي لقبول تركيا عضواً فيه سحب هذه القوات من الجزيرة لانها تتخذ شكلاً احتلالياً من جهة، كما انها تسيطر على مساحات واسعة من اراضي الجنوبيين وتتسبب في تهجير نحو 200 الف قبرصي يوناني من جهة ثانية. هذا من جانب ومن جانب آخر، فإن اثينا اظهرت تجاوبا مع مشروع الامم المتحدة برغم انه لا يأخذ بعين الاعتبار الفارق الكبير في الحجم السكاني لكل من الطرفين. اذ يبلغ عدد القبارصة اليونانيين 620 الفاً، بينما يبلغ عدد القبارصة الاتراك 185 الفاً. وكانت الاكثرية القبرصية اليونانية ترفض دائما اي صيغة للحكم لا تقوم على اساس وجود اكثرية واقلية «وهو ما يشكل جوهر المشكلة القبرصية» في حين يدعو القبارصة الاتراك الى تحقيق مساواة كاملة بين الطرفين بغض النظر عن الفارق الكبير في عدد كل من المجموعتين السكانيتين. ويقترح مشروع الامم المتحدة تشكيل مجلس رئاسي من ستة اعضاء يتولى الطرفان رئاسته مداورة كل عشرة اشهر، وقبول القبارصة اليونان بهذه الصيغة يشكل تنازلاً مهماً بالنسبة لهم، بيد انهم يشعرون الآن بأن انضمامهم الى الاتحاد الاوروبي يكسبهم عامل قوة جديداً ويعوضهم عن اية تنازلات قد يضطرون من الى تقديمها في اطار اي صيغة توفيقية لاعادة توحيد الجزيرة. وبالمقابل، فإن مشروع الامم المتحدة يعالج مشكلة مزدوجة تهم الجانب القبرصي اليوناني، حيث يقترح تخلي القبارصة الاتراك عن نسبة 8 في المئة من الاراضي التي يسيطرون عليها حالياً لتصبح النسبة المخصصة لكيانهم الخاص 28 في المئة من مساحة الجزيرة، في حين تستقر النسبة المخصصة للقبارصة اليونان عند 72 في المئة. كذلك يقضي المشروع بترحيل 70 الف تركي استقدمتهم انقرة من الاناضول واعادة 85 الفا من مهجري القبارصة اليونان الى ممتلكاتهم الاصلية، من اصل 200 الف جرى تهجيرهم في الغزو التركي عام 1974، ويطالب الطرف القبرصي اليوناني برفع عدد المهجرين العائدين الى اكثر من ذلك للتخفيف من حدة مشكلة المهجرين التي تعتبر احد ابرز المشاكل التي واجهت وتواجه عملية التسوية، على ان لا يؤدي ذلك الى اعادة حدوث اختلاط سكاني بين الطائفتين، وحتى تكون حدود الكيانين واضحة وتمنع وقوع احتكاكات عدائية مباشرة بين الطرفين. كونفدرالية.. وكانتونات من الواضح ان صيغة الكونفدرالية «كيانان في دولة واحدة مشتركة» على طريقة نظام الكانتونات السويسري، تجد قبولاً من الطرفين، ووفقا لخطط الامم المتحدة، لابد لحكومتي الطرفين من ان توافقا أولاً على الخطوط العريضة للاتفاق الرئيسي اي على المباديء الاساسية التي يستند اليها واقتران هذا الاتفاق بتوقيعهما، يدخلان في مفاوضات حول مختلف الجوانب التفصيلية وان كان من غير المقبول ان يعود الجانبان الى اسلوب المماحكات القديمة بحيث تصبح المفاوضات وكأنها هدف في حد ذاتها. والطرفان مطالبان بتوقيع الاتفاق المبدئي قبل 28 فبراير المقبل، وهو ما يجري التركيز عليه الآن بقوة، ذلك ان ما يهم الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة، هو حدوث هذا التطور الايجابي قبل توقيع «الجمهورية القبرصية» على وثائق انضمامها ـ منفردة ـ الى الاتحاد الاوروبي في مارس المقبل، حتى يكون الانضمام باسم دولة قبرص الموحدة، وليس باسم شطر واحد منها فقط. وهذا ما يبدو ان الحكومة التركية تسعى اليه الآن، وتستعجل تنفيذه، حتى لا يفوتها القطار الاوروبي نهائياً، او موعده المقبل على الاقل! ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا