الاربعاء 12 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 15 يناير 2003 اشرنا البارحة الى مساهمة بعض الكتابات الحديثة، وتحديدا الاسلامية منها، في هبوط مستوى التأليف والنشر، بعد ان افتقدت تلك الكتابات القدرة على التواصل مع قضايا المجتمع، وعجزت عن ملء الفراغ المعرفي لدى القاريء، والاجابة عن عشرات الاسئلة التي افرزتها الحياة المعاصرة في شتى الميادين. وقد صاحب هذا الضعف في معالجة الواقع والقصور عن تلبية حاجات الناس المتجددة الى الوعي بطرق تحقيق التفاعل الايجابي مع قضايا الحياة من زاوية الانتماء الى المنهج الاسلامي في التصور والسلوك، موقف مماثل للقراء تجسد في القناعة والاكتفاء بحفظ النصوص والشواهد والمواقف التاريخية دون ان تتوفر لهم القدرة على تمثل روح تلك النصوص واستلهام الدروس العملية القابلة للتطبيق في الحياة الخاصة وفي المحيط الاجتماعي العام مما عطل على تلك الفئة من القراء مهارات التفكير التي وهبها الله للانسان، وجعل بضاعتهم العلمية لا تتجاوز في مجملها حفظ عشرات النصوص الشرعية التي تعطل احساسهم بها، وقل حجم تفاعلهم معها رغم ادعائهم انهم امتلكوا زمام المعرفة، وعلموا الحكمة، وفهموا الدين على وجهه الصحيح. لكن هذا الادعاء المبني على غير اساس سرعان ما ينكشف عن حالة من العجز والقصور في استيعاب الموضوعات التي قرؤوها، خاصة اذا ما كان أمامهم شخصية تخالفهم في الرأي، وتنتمي الى الفكر الآخر. والمحزن حقا ان ترى جموعا لا حصر لها من القراء تقصر بهم مفاهيمهم عن اداء دورهم في التغيير الايجابي داخل مجتمعاتهم لان المدى الذي ينظرون من خلاله الى قضايا الحياة الكبرى من حولهم هو مدى بسيط، نتيجة انخفاض الوعي بأولويات العمل الذي يستهدف النهوض بالواقع الشخصي والمجتمعي ولان محصلتهم النهائية من القراءة والتثقيف الذاتي هي محصلة باهتة الاثر وعديمة الجدوى. وانتشار مثل هذا النوع من المؤلفين والقراء يعني ان المجتمع العربي والاسلامي بدأ يدخل في مرحلة من السبات الفكري لا يعلم الا الله متى سيخرج منها. واللافت اننا لم نعد نسمع بمجرد وجود حالة استياء من الدخول في ذلك السبات الفكري الحاد، والتخلي عن الحيوية والجرأة في طرح الموضوعات الجديدة المتصلة بحياة الناس، مما يعني بكل وضوح وصراحة ان هناك عشرات الاشواط علينا ان نقطعها في سبيل اكتشاف الدور الهائل للثقافة الشاملة في ايصال المجتمعات الى جودة الحياة. ويمكن ان تكون الخطوة الاولى في سبيل الحصول على مادة مكتوبة قادرة على الدخول في تحد مع ذهن القاريء، وقادرة على تنشيط خلايا التفكير لديه ورفع درجة تفاعله معها، واحساسه بقدرتها على الارتقاء به فكراً وسلوكاً ونظره الى الاشياء، هي التوقف عن شراء ما ينتجه نساخ العصر الحديث، والاعراض عن تشجيع مثل هذا النوع من الكتابات بالشراء او التوزيع، والبحث عن الكتابات المتميزة وهي موجودة وميسرة لمن يملكون الحس المتقدم، ومن لديهم رصيد معرفي قادر على حمايتهم من القبول بقراءة مثل هذا النوع من الكتابات الضعيفة. وكلما ارتفع مستوى ذوق القاريء، وتوفر لديه الحس الناقد، والمعايير الصحيحة للحكم على ما هو مكتوب كلما اقتربنا اكثر من كتابات منهجية وتحليلية قادرة على رسم دوائر النجاح وتحديد مساراتها بدقة متناهية. تلك الكتابات موجودة ومتوفرة لكن تواضع امكانيات القاريء يذهب به في احيان كثيرة الى الكتاب الخاطيء!! قليلا من العناية والتدقيق ايها القراء الكرام اثناء شرائكم للكتب لتنعموا بالعوائد الايجابية واللامحدودة للقراءة الناقدة.