الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 في خطابه الشهير الذي وجهه الرئيس جورج بوش للأمة الأميركية العام الماضي، صنف العالم إلى محورين: محور الشر ويضم: ايران والعراق وكوريا الشمالية، ومحور الخير ويضم الدول التي تسير في ركاب أميركا وفق علاقة التحالف والطاعة، وما بين المحورين تتناثر دول تتأرجح بين الخير والشر بحسب مدى قربها او بعدها عن توجهات السياسة الاميركية، فالدول اليوم خيّرة وديمقراطية وذات توجهات انسانية اذا رضيت عنها الولايات المتحدة، وعكس ذلك اذا لم تنل رضى العم سام! في علاقتها العدائية مع ايران وكوريا الشمالية والعراق، تنتهج الولايات المتحدة مواقف متباينة لأسباب واقعية، فهي تعادي (بيونغ يانغ) لكنها تتحاشى تفجير أزمة سياسية في منطقة شرق آسيا، نظرا لحساسية المنطقة وتعقيدات العلاقات فيها بين الاميركان وكل من كوريا والصين وروسيا، اضافة للذكرى السيئة التي مازالت تحتفظ بها الذاكرة الاميركية عن الحرب الفيتنامية في تلك المنطقة. ولذلك فبرغم كل تحديات كوريا للأمم المتحدة وللولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي، إلا أن موقف اميركا يتسم بالكثير من التحفظ وضبط الأعصاب، وليس صحيحا ذلك التصريح الذي أعلنه وزير الدفاع رامسفيلد مهدداً الكوريين منذ مدة بأن الولايات المتحدة قوية بما فيه الكفاية، ولن تخضع للابتزاز الكوري، وبإمكانها ان تفتح جبهتي حرب في وقت واحد!! ذلك كان تصريحاً مبالغاً في غروره، والغرور صفة ليست جديدة على أية حال بالنسبة للسياسة الاميركية الحالية! أما علاقة الولايات المتحدة بإيران فهي علاقة معقدة وقائمة على عداء قديم بين الدولتين بدأ رسمياً في العام 1979 حينما احتل الطلاب الايرانيون سفارة الولايات المتحدة في العاصمة طهران واحتجزوا اكثر من مئة رهينة اميركية فيها أيام الثورة الايرانية التي اطاحت بحكم الشاه والنفوذ الاميركي في ايران وكرست حكم (الملالي) الديني، ومنذ تلك السنة وخاصة بعد فشل عملية تحرير الرهائن وفك حصار السفارة والتي عرفت بعملية (عاصفة الصحراء) زمن الرئيس جيمي كارتر والعداء مستفحل، والحرب الكلامية والدبلوماسية لم تتوقف، وبرغم برنامج ايران النووي والذي تعرفه الولايات المتحدة تماماً، إلا أنها في عدائها مع ايران تتبع اسلوب المجاملة الباردة بين الأعداء، لان تفجير ازمة مع ايران ليس في صالح الاميركان على الاطلاق ولذلك فالمجاملة مطلوبة حتى حين! والحين هذا يتوقف على ما ستؤول اليه الامور في بغداد. في زمن الرئيس ريغان (في الثمانينيات) وعندما كان العراق يخوض حرباً عبثية مع ايران التي كانت بالكاد تخرج من بركان ثورتها الكبرى، كان هناك سياسي اميركي يقوم بمهمة سرية وبتكليف من ريغان مباشرة من أجل تطوير قدرات العراق النووية، ذلك هو وزير الدفاع الحالي (رامسفيلد). اما اليوم فالولايات المتحدة تجاهر العراق بالعداء حد التهديد بتوجيه ضربة عسكرية مدمرة بحجة القضاء على الخطر الماحق الذي يشكله نظام بغداد على شعبه وجيرانه والسلام العالمي وأمن «اسرائيل»!! ثلاثة نظم تعاديها اميركا عداء حقيقياً، وتتمنى القضاء عليها لأنها خرجت على النص كما يقول اهل المسرح، فهي لم تلتزم بدور العبد المطيع، ورفعت رأسها في حضرة سيدة العالم وتمادت في تبجحها!! ثلاثة نظم قالت (لا) لأميركا وأسمعت العالم موقفها الرافض للهيمنة والغطرسة وهذه الـ (لا) هي ما لا تغتفره الامبراطوريات العظمى ابداً، طبعا هناك دول اعلنت رفضها منذ زمن وما زالت تدفع (فاتورة) الرفض منذ سنوات طويلة ولعل (كوبا) هي المثل الابرز. كثيرون ينظرون الى فعل الرفض في وجه اميركا على أنه جنون وغباء اعتماداً على القوة الطاغية التي تمتلكها والتي تسيطر بها على العالم، لكن منطق التاريخ وطبيعة الاشياء تقول بأن هؤلاء الرافضين هم الذين يدقون المسمار الاول في نعش الامبراطوريات ومن يريد التأكد فما عليه سوى العودة لكتب التاريخ.