الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 كان ذلك في أكتوبر الماضي.. رن جرس الهاتف في مكتبي، ابنتي تتحدث من الجامعة الأميركية حيث تدرس، من الطبيعي تلك المهاتفة، أتوقعها مرة أو مرتين، إما للاطمئنان، أو لترتيب مروري عليها لكي أصحبها معي الى البيت بعد انتهاء يومها الدراسي، غير انني فوجئت بها تسألني عن الفندق الذي يقيم فيه الصديق الأديب عبدالاله عبدالقادر المقيم في الامارات، بالتحديد في دبي، والذي تربطني به صلة قوية، تتواصل عبر مؤسسة سلطان العويس التي يتولى أمورها الادارية. سلطان العويس الذي أشرف وأعتز بجائزتها الممنوحة لي منذ عام سبعة وتسعين من القرن الماضي. رغم دهشتي الا انني ذكرت لها اسم الفندق ورقم الغرفة، وبدافع من فضول سألتها عن السبب الذي يدفعها الى الاستفسار عنه! فقالت لي انها ستخبرني فيما بعد. لم أتوقف كثيرا، قلت لنفسي انها ربما تعد بحثا للجامعة عن القصة العراقية، أو عن مؤسسة العويس، جاء عبدالاله الى القاهرة للمشاركة في مؤتمر ينظمه المجلس الاعلى للثقافة، زارني بالأمس، ومن عادتنا أن نمضي معا الى القاهرة القديمة، ولكنه بدا مشغولا، وترك أمر لقائنا معلقا. مضت الأيام، الى أن حل شهر رمضان، وفي أول أيامه، أول افطار حرصنا على دعوة خطيب ابنتي محمد الدسوقي الذي يعمل مهندسا في احدى شركات المحمول، وايضا والده، صهري، انه أول رمضان يهل علينا بعد الاحتفال بالخطوبة في أكتوبر الماضي. بعد أن تناولنا الافطار، وجلسنا نحتسي الشاي، ونتبادل الحديث، فوجئت بابنتي تتقدم مبتسمة من منتصف الحجرة. تقول بمرح.. «استعد للمفاجأة».. تقدم خطيبها محمد الدسوقي، وضع أمامي علبة ضخمة، ثقيلة الوزن من القطيفة الرمادية، علبة أنيقة المظهر، لفت نظري عند امساكي بها وزنها. «ممكن تفتح العلبة؟». بدأت، بينما أفراد الأسرة كلهم يتطلعون مبتسمين، في انتظار ظهور رد فعلي، قدرت أن ابنتي وخطيبها أحضرا لي هدية ما. لم أخف دهشتي، فلم تكن هناك مناسبة تستدعي تقديم هدية خاصة لي، لقد مر عيد ميلادي منذ مايو الماضي، ولم يحدث شيء له شأن خلال الشهور أو الأسابيع الأخيرة الا خطوبة ابنتي، لا يوجد فيما يخصني مناسبة تستدعي تقديم هدية ما. كذلك لم أبد رغبتي في شيء محدد. الحقيقة تعاظم فضولي. بدأت أفتح العلبة محكمة الاغلاق، كان داخلها لفافة في ورق أنيق، قوي. قالت ابنتي. «على مهلك وخذ بالك يا بابا». بحرص شديد وعلى مهل اخرجت اللفافة التي كانت تحوي شيئا ثقيلا، لم أستطع أن اتبين أو استنتج ملامحه. اللفافة تحيط بلفافة أخرى، وثالثة، لم يكن مكتوبا عليها أي شيء يدل على المحتوى. أخيرا بدأت أخمن ما يمكن أن تدل عليه المفاجأة أسرعت حركة أصابعي مع التزام الحرص. وعندما لمحت طرف ما تمتد به اللفافة. «مش معقول.. مش معقول».. أخرجت الشراع المفرود، المصنوع بشكل فني من كريستال نقي تتوسطه دائرة، تطل منها ملامح المرحوم، طيب الذكر، الشاعر سلطان العويس، الحق أن الانفعال بلغ بي مدى، وكنت غير مصدق انني أستعيد مرة أخرى رمز الجائزة، وما أن استوعبت المفاجأة، حتى بدأت اسأل ولكن قبل ذكر التفاصيل، يجب أن أحكي ما جرى. عندما صعدت الى المسرح لأتسلم الجائزة من الشاعر سلطان العويس الذي تطل ملامحه عليّ الآن من أفق الأبدية، كأني أراه أمامي، تسلمت الشهادة الموضوعة في مغلف من القطيفة الحمراء الفاخرة، وميدالية ذهبية، ومنحوتة جميلة من الكريستال بديعة التكوين، ليست شراعا، لكنها توحي به، تستند الى قاعدة من نفس نوع الكريستال الفاخر، التصميم الذي أعده بيت فني كبير في فرنسا يوحي بالانطلاق والجمال، بالنسبة لي كان الايحاء أقرب الى الشراع. ربما لأن صاحب الجائزة ومؤسسها كان البحر جزءا وركنا رئيسيا في حياته، منذ أن عمل بالغوص، وحتى استقراره في مكتبه داخل بناية فاخرة تشغلها احدى المؤسسات التي انشأها، وتقع بالقرب من خور دبي، كان يحب البحر ويحرص على القرب منه. عدت الى القاهرة أحمل رمز الجائزة في يدي حرصا عليه، وفي بيتي وضعته في مكان أمين داخل خزانة كتبي، الى أن خطر لي اخراج بعض رموز الجوائز والأوسمة التي حصلت عليها، ووضعها داخل صوان صغير مفتوح. اعتزازي برمز جائزة العويس لا ينافسه الا اعتزازي بميدالية القوات المسلحة المصرية التي منحت لي باعتباري من الصحفيين القلائل الذين عبروا مع القوات المسلحة المصرية، لكل منهما منزلة خاصة، فالميدالية الذهبية للقوات المسلحة تعبر عن فترة مهمة تتصل بتاريخ وطني وجيشه الذي حقق نصرا ساحقا على العدو في أكتوبر عام ثلاثة وسبعين قدر لي أن أكون من الشهود المعاصرين له، أما جائزة العويس فاعتراف رفيع المستوى بمسيرة أخلصت فيها للأدب وجعلت الهدف الذي تنتظم حوله مفردات وجودي. كثيرة الجوائز التي تمنح في عالمنا العربي، لكن جائزة العويس أصبح لها وضع خاص ومصداقية فريدة، انها الجائزة الوحيدة التي لا تراعي إلا قيمة الأدب والأديب بغض النظر عن انتمائه الفكري أو موقعه سواء كان في السلطة أو خارجها أو في المعارضة، اكتسبت الجائزة مصداقية رفيعة من خلال ادارة حازمة، واختيار موفق للمحكمين، ومن الاسماء التي حصلت عليها، لذلك أصبحت هدفا ومطلبا يسعى اليه كافة الأدباء والمفكرين العرب، ليس من الغريب اذن ان يكون عدد المتنافسين على جائزة الرواية والقصة في هذا العام فقط أكثر من ستمائة أديب من مشارق الوطن العربي وحتى مغاربه، ثمة خاصية أخرى في المؤسسة المانحة للجائزة، اذ أنها لا تنتهي صلاتها بالفائزين، انما تظل على اتصال بهم، مستمر ودائم،، تطلب منهم ترشيح أدباء آخرين. وتدعوهم لحضور احتفالياتها ولأنني عرفت الرجل لفترة وجيزة وشعرت بنقائه وانسانيته ونظره الثاقب خلال أيام حضوري الى دبي لتسلم الجائزة اصبحت احمل له ودا وذكرى جميلة، ومهما كانت مشاغلي أو متاعبي الصحية فإنني أغالب هذا كله لتلبية أي دعوة من المؤسسة احتراما وامتنانا لذكرى الرجل. توسط الشراع الكريستالي الميداليات والأوسمة، المصرية والأجنبية، وفي أحد الأيام من صيف العام الماضي كانت الشغالة تنفض التراب عن محتويات الصوان، عندما سقط الشراع فوق الأرض وانشطر الى نصفين. عندما عدت ذلك اليوم بدا الرعب في عينيها، كانت تبكي بصدق. وعندما كشفت لي الحقيقة اصابني كمد. لم أقل الا كلمتين: «سامحك الله..». أمضيت في غرفتي المغلقة ساعات وحيدا، حزينا، أولا لفقدي رمزاً جميلاً أعتز به، واي اعتزاز، وثانيا لأنني أتشاءم من كسر الزجاج المتعلق بي، أقر بذلك وأعترف، فداخلي نزوع الى التفاؤل والى التشاؤم، وهذا أمر انساني لا أخفيه. رحت أردد لنفسي معزيا أن البكاء على اللبن المسكوب لا ينفع، وكثيرا ما أمسكت شطري الشعار متخيلا امكانية اتصالهما بعملية لحام دقيقة، ولكن يبدو ذلك مستحيلا بسبب الأثر الناتج عن الكسر. لاحظت ابنتي اكتئابي فقررت مع خطيبها أمرا، ولأنها تعرف أنها لو صارحتني بما تنوي لما وافقت، لأنني أرفض ازعاج اصدقائي، كما انني أخجل من الطلب، خاصة اذا كان يتعلق بأمر حساس، فكيف أخبر أصدقائي في المؤسسة ان الشعار الذي يجب ان أحافظ عليه قد انشطر الى نصفين؟ بدأت ماجدة ابنتي مع خطيبها التحرك، اتصل محمد الدسوقي بصديق له يعمل في دبي، طلب منه رقم هاتف مؤسسة العويس، وبحث صديقه، عاد ليخبره انه توجد أكثر من مؤسسة تحمل اسم المرحوم سلطان العويس، فقال له انه يريد المؤسسة التي تمنح الأدباء الجوائز، بعد أيام ادار رقم الهاتف، وتولى مع ابنتي شرح الأمر للسكرتيرة، فأوصلتهما بالاستاذ عبدالاله عبدالقادر، قال انه سيخطر المسئولين عن المؤسسة، وعدهما خيرا. اتصالات عديدة جرت، ولأن الشعار لم يكن جاهزا في المؤسسة. فقد أرسل عبدالاله الى أوروبا، وانتظر قليلا حتى وصل الشراع البديل، لكم أشعر بالامتنان لهذا الصديق الرائع. كان لابنتي رجاء واحد ان يبقى الأمر سرا، الا أعلم به، وقد حافظ عبدالاله عبدالقادر على السر، الى درجة انني عندما استعيد ملامحه عند زيارتي في مكتبي لا أذكر أي اشارة، أو لمحة تنم عما حدث، كان الرجل قد حمل الشعار الثقيل الوزن معه الى القاهرة. وكانت ابنتي تستفسر مني عند اتصالها عن مكان اقامته لتتسلمه منه. ولتشكره.. لا أذكر موقفا عرفت فيه تأثرا كتلك الليلة الأولى من رمضان الأخير، خاصة عندما حملت الشعار الى مكانه، ولكنني أصبحت أكثر حرصا هذه المرة. اذ صار الصوان مغلقا، وانفض عنه الغبار بنفسي. استعدت تفاصيل ما جرى الأسبوع الماضي اثناء حضوري افتتاح مقر مؤسسة سلطان العويس الثقافية، هذا الصرح الأنيق، الجميل، مركز الاشعاع الروحي في مدينة حداثية، تمور بنشاط تجاري وصناعي، وعندما صافحت المسئولين عن المؤسسة، كنت أشعر بالامتنان وأرى في كل منهم كما نقول في مصر «ريحة من المرحوم» استعدت ما قاله لي سلطان العويس. «ما سيبقى هو هذه المؤسسة».. الآن، أتذكر ذلك كلما طالعت الشعار، والرسم الموحي بحضوره وغيابه.. رحمه الله.