الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 ربما يعتقد عامة السودانيين ان جولتي التفاوض بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» بزعامة جون قرنق في ضاحية مشاكوس الكينية أدتا إلى تقريب الشقة بين الطرفين المتفاوضين بما يهييء المناخ للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي في الجولة الثالثة المرتقبة. لكن واقع الأحداث والتطورات الاخيرة يشي بغير ذلك فما هي هذه الأحداث والتطورات؟ ان ابرز مشكلة تتعلق بثلاث مناطق صغيرة في شمال السودان محاذية جغرافيا للجنوب: جبال النوبة وأبيي والانقسنا. وهذه المشكلة أثيرت من قبل حركة قرنق بادعائها أنها جزء من الجنوب، وبالتالي فان الحركة تطالب بضم مصير هذه المناطق الثلاث الى الاجندة التفاوضية في مواجهة رفض صارم من الطرف الحكومي. ان رقعة جنوب السودان بحدودها الجغرافية المعتمدة رسميا ودوليا منذ اعلان استقلال البلاد عام 1956 لاتشمل أيا من هذه المناطق الثلاث. ومن ناحية اخرى فان إدعاء قرنق بتبعيتها للجنوب يتناقض رأسيا مع «ميثاق أسمرا» الذي وقعت عليه أطراف «التجمع الوطني» المعارض بما فيها حركة قرنق. فأحد بنود هذا الميثاق يعرف الجنوب جغرافيا وفقا لحدود عام 1956. فما هو مغزى مطالبة قرنق بتوسيع الحدود الشمالية لرقعة جنوب السودان على هذا النحو؟ ان قرنق يستدعي هنا طرحه لما يطلق عليه «السودان الجديد».. وهي معادلة عنصرية تهدف الى تكون جبهة عريضة من الاقليات العرقية غير العربية وغير الاسلامية في مواجهة الاغلبية العربية الاسلامية في الشمال وأن تكون هذه الجبهة العنصرية بقيادة «الحركة الشعبية»، وبالتالي يكون جون قرنق الناطق باسمها في العملية التفاوضية خاصة فيما يتعلق بأمرى اقتسام الثروة واقتسام السلطة. الحكومة من جانبها ترفض هذا الطرح ليس استناداً الى حدود 56 فحسب، بل ايضا على أساس ان اعلان مباديء منظمة «إيقاد» الأفريقية الذي يحدد الاطار التفاوضي يحصر القضية التفاوضية في مشكلة الجنوب فحسب. وبناء على هذه الحجة القانونية فان الحكومة السودانية إذ اعلنت انها لا تعارض مبدئيا التفاوض حول مصير المناطق الثلاث المذكورة إلا انها تشترط ـ انسجاما مع اعلان مباديء ايقاد ـ ألا يدخل الطرفان في عملية تفاوضية بشأن هذه المناطق إلا بعد انتهاء التفاوض حول مشكلة جنوب السودان والتوصل لاتفاق سلام نهائي حولها. ويبدو الآن واضحا اكثر من اي وقت مضى ان حركة قرنق تتعامل مع الشمال وفق استراتيجيتين: استراتيجية معادلة «السودان الجديد» في اطار وحدوي للبلاد تكون الغلبة فيه للاقليات العرقية غير العربية وغير الاسلامية انطلاقا من ترويج اسطورة مفادها ان العرب المسلمين في السودان أقلية. وتنعكس هذه الغلبة وفقا لتصور قرنق على اقتسام السلطة والثروة بحيث تظفر مجموع الاقليات غير العربية وغير الاسلامية بنصيب الأسد على هذين الصعيدين. الاستراتيجية الثانية لحركة قرنق استراتيجية احتياطية بالضرورة يتم اللجوء اليها في حال الفشل في تحقيق استراتيجية «السودان الجديد» العنصرية. وهذه الاستراتيجية الثانية هي فصل الجنوب نهائيا لاقامة دولة تضم ايضا «المناطق الثلاث» (أو بدونها إذا تعذر ذلك) وينفرد بحكمها «الجيش الشعبي لتحرير السودان» ـ الذراع العسكرية للحركة. ان كون الاستراتيجية الثانية ذات طبيعة احتياطية لا يعني انها خامدة تماما في الظرف الراهن. ذلك انه يجرى حاليا اتخاذ خطوات على طريق الانفصال. وأهم خطوة اتخذت حتى الآن هي قيام حركة قرنق باصدار عملة خاصة بالجنوب مع الشروع في اقامة بنك مركزي مستقل. ومما يجدر ذكره هنا ما أوردته مجلة «اكونومست» اللندنية بتاريخ 14 ديسمبر 2002 من ان حركة قرنق قامت بالفعل بطبع 60 طنا من الأوراق النقدية للعملة الجديدة. وغني عن القول ان اصدار عملة وتملك بنك مركزي يعتبران من عوامل السيادة الوطنية. ولأن هذه الخطوة الخطيرة تجعل احتمال انفصال جنوب السودان من ناحية وانفراد قبيلة «الدنيكا» ممثلة في حركة قرنق بحكمة أوضح وأقوى من اي وقت في السابق، فان من المحتم ان تثير قلق وتخوف المنظمات والهيئات الجنوبية التي تمثل القبائل الجنوبية الأخرى. هنا نأتي الى تطور جديد. فمن ناحية طالب تنظيم حكام قبائل الجنوب المسمى «مجلس سلاطين جنوب السودان» باشراكهم في مفاوضات مشاكوس. وفي هذا الصدد يقول دنيق مشام رئيس هذا المجلس الذي يمثل 404 زعماء قبائل «إننا لصيقون بالمواطن الجنوبي لأن لديه اعتبارا خاصا لكلمة السلطان وليس لغيرها». ومن ناحية اخرى تقدمت مجموعة من احزاب وشخصيات جنوبية بطلب مماثل ضمن مذكرة رفعتها الى سفارة الولايات المتحدة في الخرطوم باعتبار الوساطة الأميركية في العملية التفاوضية. وهكذا تتعقد القضية اكثر فأكثر مما يضعف الآمال تجاه مشاكوس الثالثة ـ هذا إذا عقدت فعلا.