الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 «لماذا يكرهوننا ؟!». هذا هو السؤال الاميركي الذي طرح بقوة «وبصلف في غالب الاحيان» على المستوى الاعلامي وحتى على المستوى الرسمي في الولايات المتحدة، عقب عملية الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 في نيويورك وواشنطن. وكان المقصود به العرب اولا ثم المسلمون في العالم بشكل عام. وفي الجواب الاميركي على السؤال صدرت تعليقات مثل «انهم يكرهوننا غيرة منا.. لاننا ننجح بينما هم فاشلون»، و «لاننا نعيش عصرنا.. بينما هم ما زالوا يعيشون في الماضي »، و« لانهم يملكون الثروة... فيما لا يملكون العقل لاستغلالها والاستفادة منها»، والاسوأ من ذلك كله «لاننا دعمنا انظمة حكم غير ديمقراطية لديهم». والقلائل من الاميركيين الذين حاولوا تلمس حقيقة الموضوع، او بعضها، بدوا لفترة كما لو انهم باتوا مكروهين بدورهم في مجتمعهم، ثم انه في فترة لاحقة تم حشرهم في زاوية الدفاع عن انفسهم بعد ان اتهموا بنقص في الوطنية، اي بما يصل الى مستوى الخيانة. لم يسمع احد في الولايات المتحدة عندها، بل لم يكن احد فيها يريد ان يسمع، ما ردده بصوت عال رجال السياسة والاعلام والثقافة من العرب والمسلمين من ان احدا منهم لا يكره الاميركيين.. لا كشعب، ولا كمجتمع، ولا حتى كحكام او حكومات.. وانما الكره كل الكره للسياسات الاميركية المتبعة، خصوصا ما يتعلق منها بالقضايا الوطنية للعرب والمسلمين. برغم ذلك لا بد من الاعتراف بأن الحملة الاميركية الكلامية تراجعت نسبيا، مع انها لا تزال مستمرة، ان لم تكن قد تصاعدت، في الممارسة العملية على الارض. الحشود العسكرية في المنطقة، وعلى مشارفها، استعدادا لمغامرة تبدأ بالعراق ولا احد يعرف الى اين ستمتد واين تنتهي، هو جانب من الصورة، الا ان قيود الهجرة القاسية في داخل الولايات المتحدة ضد كل من هو عربي او مسلم يعيش فيها او يريد زيارتها هو الجانب الآخر. لكن لماذا هذا الكلام الآن ؟!. المناسبة هي ما تشهده حاليا شوارع العاصمة الكورية الجنوبية، سيئول، وغيرها من مدن هذه الدولة الحليفة منذ اكثر من نصف قرن للولايات المتحدة «فيها قاعدة عسكرية اميركية وحوالي 37 الف جندي » من تظاهرات شعبية شبه يومية، وبمئات الآلاف من البشر، ضد الولايات المتحدة وضد سياساتها في شبه الجزيرة الكورية. وليس ما تشهده الشوارع في مدن كوريا الجنوبية فقط، حيث تتردد الدعوة لـ «خروج اليانكي من بلادنا» و «انهاء الاحتلال العسكري الاميركي للمنطقة»، وانما ما يفعله حتى رئيس كوريا الجنوبية «المنتخب حديثا رو مو هيون، وكذلك الرئيس السابق كيم داي جونغ» في مناهضة تلك السياسة، هو مبعث السؤال الكبير هنا. والسؤال هو: اين « لماذا يكرهوننا ؟!» هذه المرة. بل لماذا لم تشن في هذه الحالة حملة اميركية، مماثلة للحملة ضد العرب والمسلمين، في مواجهة المتظاهرين وحتى نظام الحكام في كوريا الجنوبية ؟!. واكثر : لماذا لم تبادر واشنطن الى اعلان الحرب على الكوريتين «على العكس هي تريد حل مشكلة التسلح النووي لكوريا الشمالية بالطرق الدبلوماسية » كما عمدت الى اعلان الحرب على العرب والمسلمين تحت عنوان «الحرب على الارهاب» ؟!. وايضا : لماذا تصر علنا على انه لا بد من نزع اسلحة الدمار الشامل ـ المفترضة في العراق ـ بالقوة بينما تقول علنا ايضا ان نزع الاسلحة النووية المثبتة، والمعترف بها من قبل كوريا الشمالية، بالاساليب الدبلوماسية ؟!. لا ينكر الكوريون الجنوبيون، لا على الصعيد الحكومي ولا على الصعيد الشعبي، ان الولايات المتحدة لعبت دورا ايجابيا في التقدم المهم والواسع الذي حققته كوريا الجنوبية في المجالات الصناعية والتكنولوجية والاقتصادية والمالية في السنوات الماضية. الا ان ذلك لم يمنعهم من رفع الصوت عاليا في وجه واشنطن وسياساتها عندما بدت هذه السياسة تمس كرامتهم وامنهم الوطني.. وفي المدة الاخيرة مستقبل علاقاتهم مع الجانب الآخر من الشعب والارض في شبه الجزيرة الكورية. في المقابل لم يحدث ذلك في اي من البلدان العربية، وحتى في اي من البلدان الاسلامية، ان لم يكن العكس تماما هو الصحيح حيث منعت واشنطن تصنيع هذه البلدان وعملت دائما على ان تحول دون حصولها على ما يسمى بـ «آلات صنع الآلات» التي لا صناعة جدية من دونها. اما في مجال التنمية الحقيقية، فقصة تمويل الولايات المتحدة ـ وحتى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ـ لبناء السد العالي في مصر اكثر من معروفة. الا انه بعد حوالي خمسين سنة من انتهاء الحرب الكورية، وما تلاها من «تحالف مقدس» بين واشنطن وسيئول، تتحول كوريا الجنوبية اليوم - كما تقول صحيفة «النيويورك تايمز» ـ الى مشكلة للولايات المتحدة في جنوب شرقي آسيا لا تقل تعقيدا عن مشكلتها مع كوريا الشمالية. اما على الصعيد العربي، وحتى الاسلامي العام، فالمفارقة هي ان الولايات المتحدة هي المشكلة بالنسبة للعرب والمسلمين الآن بينما العكس كان صحيحا في الماضي وقد بات اكثر صحة بدوره في المرحلة الراهنة ايضا. لماذا هذه المفارقة الغريبة ؟!. الواقع ان الحملة الاميركية الشعواء على العرب والمسلمين، تحت عنوان «لماذا يكرهوننا ؟!»، لم تكن مفتعلة فضلا عن انها لم تأت من فراغ. لقد سبقتها نظرية «البحث عن عدو» للغرب ولاميركا بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي في الوقت الذي كانت تنشط فيه في هذا الغرب، وفي الولايات المتحدة بالذات، مقولة «صراع الحضارات» باعتبارها تجسيدا لنظرية العثور على العدو المفترض. ولم يكن ذلك العدو الا الاسلام تحديدا انطلاقا من كونه حضارة لديها ما تقوله، بل وما تنافس به، منظومة القيم الغربية التي انتجتها الثورتان الصناعيتان السابقتان ثم ثورة الاتصالات التكنولوجية التي تكتسح العالم منذ نهاية القرن العشرين. وصحيح ان ما حدث في نيويورك وواشنطن يوم الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 كان من نوع الزلزال العالمي، وليس الاميركي فقط، باي مقياس تم قياسه ومن اية زاوية نظر اليه، الا ان الحرب الاميركية على العرب والمسلمين كانت في الواقع قد سبقته. مهلة الايام المئة الاولى التي اعطاها الرئيس جورج دبليو بوش لصديقه «رجل السلام» رئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون لانهاء الانتفاضة في اثنائها كانت دليلا اوليا، وتمديدها لفترة اخرى مغطاة بدعم اميركي كامل في مجلس الامن وفي غيره من المحافل الدولية كانت دليلا ثانيا، وبينهما فان نفض اليد من وثيقة اوسلو التي وقعت عليها واشنطن وتعهدت برعاية تنفيذها وادارة «الاذن الطرشاء»، كما يقولون، لمطالبات العرب باعادة النظر بموقفها هذا كانت دليلا ثالثا. في سياق هذه الحرب، وقبل 11 سبتمبر تحديدا، كان الرئيس بوش قد التقى مع شارون مرات عدة بينما كان يرفض عقد اي لقاء مع الرئيس الفلسطيني ياسرعرفات بذريعة ان هذا الاخير «ارهابي». ثم ان ولي العهد السعودي الامير عبد الله رفض دعوة بوش لزيارة واشنطن احتجاجا على مواقف بوش من العرب ومن القضية الفلسطينية، في الوقت الذي كانت فيه اسرائيل تشن حرب ابادة شاملة على الشعب الفلسطيني وتمزق على مرأى من العالم كله اوراق التسوية واحدة بعد الاخرى. هذه حقيقة اولى. الحقيقة الثانية هي ان ما وصفه بوش ب «محور الشر»، وحدد له ثلاث زوايا هي العراق وايران وكوريا الشمالية، لم يشهد اي تعامل اميركي متسق او متواز مع «الشر» المفترض في كل واحدة من تلك الزوايا. الاوضح في هذا المجال موقف واشنطن غير المتوازن من العراق وكوريا الشمالية، لكن موقفها من ايران - وان يكن مؤقتا كما يقول البعض - فلا يقل وضوحا عن ذلك. فالهدف الاميركي الذي بات معروفا هو عدم الرغبة بالتورط في معركتين اثنتين في وقت واحد. لكن القضية هنا اكثر تعقيدا في عمقها مما تبدو في الظاهر. ذلك ان واشنطن لا تريد، او ربما هي لا تستطيع، ان تقفز من فوق قوى مهمة بالنسبة لها في جنوب شرقي آسيا، كاليابان وكوريا الجنوبية وحتى الصين وروسيا، بينما لا تعير كبير اهتمام للقوى المقابلة، وان تكن مهمة بالنسبة لها، في المنطقة العربية. نموذج ذلك انها تسعى للتنسيق مع دول جنوب شرقي آسيا، بل وتحرض هذه الدول على التوسط مع بيونغ يانغ ،من اجل ايجاد تسوية سلمية لقضية الاسلحة النووية الكورية الشمالية، فيما رفضت طيلة الفترة الماضية، وترفض حتى الآن، مناشدات القوى الاخرى في المنطقة العربية للتخلي عن خيار استخدام السلاح ازاء قضية التسلح العراقي. هل السبب آسيوي، ام اميركي، ام هو عربي ؟!. لا شك في ان هناك سببا، او ربما اسبابا، لدى دول جنوب شرقي آسيا تجعلها قادرة على سياسة الندية «تعامل الند للند»، ان لم يكن على فرض شروطها، في مواجهة الولايات المتحدة برغم الاعتراف الآسيوي بانها «الدولة العظمى الوحيدة في العالم». ولا شك ايضا في ان هناك سببا، او ربما اسبابا، لدى الولايات المتحدة تجعلها قابلة بهذه الندية، ان لم يكن بشروط تلك الدول في جنوب شرقي آسيا، برغم العمل الاميركي الذي لم يعد محل نقاش من اجل فرض «امبراطورية روما - القرن الحادي والعشرين» على العالم بما في ذلك منطقة جنوب شرقي آسيا. لكن ما يبقى هو السؤال عن السبب، او ربما الاسباب، التي تجعل المنطقة العربية والولايات المتحدة غير قادرتين على بناء مثل تلك العلاقة، علاقة الند للند فيما بينهما، برغم حاجة كل منهما الشديدة للاخرى حتى لا نقول استحالة تجاهل احداهما لمصالح الثانية فيها ولديها. يقول الاميركيون عن ذلك ان السبب عربي اولا واخيرا، ويعزونه الى نمو بذرة «الارهاب» في المنطقة، وانتقالها منها الى العالم كله، من جانب، والى تكريس حالة باتت شبه تاريخية من انظمة الحكم غير الديموقراطية على امتداد المنطقة من جانب ثان. اما العرب فيقولون ان السبب اميركي قبل كل شيء، واساسه تعمد زرع اسرائيل كشوكة غربية عامة، ثم اميركية خالصة، في قلب العالم العربي، وذلك بهدف استعماري في عمقه ومحتواه، هو منع تنمية هذا العالم وتقدمه صناعيا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا والحيلولة دون تطوره باتجاه اي نوع من التكامل الوحدوي الذي كان ولا يزال امل شعوب المنطقة منذ تحررها من الاستعمار. ويقولون اكثر، ان «تفوق اسرائيل» على العرب كلهم، والذي تعهدته الادارات الاميركية المتعاقبة لم يكن يوما مجرد تفوق عسكري - بذريعة حماية وجود اسرائيل ! - وانما كان على الدوام تفوقا في مجالات التنمية الصناعية والزراعية والتكنولوجية والمالية.. وحتى البشرية ايضا، بحيث لم تخل اسرائيل موقعها لاحد، منذ انشائها قبل نصف قرن، ك «اكبر متلق للمساعدات الاميركية» من بين دول العالم الاخرى. لكن المسألة هنا ايضا تتعدى في عمقها ما تبدو عليه في الظاهر. هي تكمن، في الحقيقة، في طبيعة العلاقة التي نسجت بين الولايات المتحدة من جهة وانظمة الحكم العربية من جهة ثانية منذ اللحظة التي تقررت فيها اقامة هذه العلاقة. علاقة تبعية كاملة وعلى طول الخط، وعلاقة رفض كامل وعلى طول الخط. لعب الاستقطاب الدولي زمن الحرب الباردة دورا كبيرا في صياغة تلك العلاقة، كما لعبت الايديولوجيات والمعتقدات وكذلك الثروات والحركات الانقلابية دورها فيها ايضا. لكن واشنطن ارادت مثل تلك العلاقة منذ البداية، خاصة وهي تحاول وراثة الاستعمارين القديمين في المنطقة «البريطاني والفرنسي» من جهة وتعمل على صد المد القومي والافكار الاشتراكية فيها من جهة ثانية. حتى اذا تراجعت القومية بهزيمة العام 1967 وما تلاها، وسقطت الايديولوجيا بسقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، لم تعد واشنطن لترى في المنطقة سوى علاقة التبعية. موقف الولايات المتحدة من العراق الآن لا يقول الا ذلك. وموقفها من حرب اسرائيل الشاملة ضد الشعب الفلسطيني وضد العرب لا يقول الا ذلك بدوره. وموقفها من الانظمة العربية ومستقبلها وثروات المنطقة الطبيعية لا يختلف ايضا عن ذلك. لكن الاخطر والافدح هو ما سيأتي به الغد، لأن هذه السياسة لا تسمح باي ظن بانها مقبلة على تغيير. فما زالت نظرية» لماذا يكرهوننا ؟!»، اي العرب والمسلمون من بين شعوب العالم كلها، هي النظرية السائدة لدى الادارة الحالية في الولايات المتحدة. ـ كاتب لبناني