الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 منذ أسابيع قام الجيش الأميركي بمناورات اطلق عليها البنتاغون اسم مناورات الكترونية ونقلت التلفزيونات صوراً منها فإذا بنا امام قاعات عسكرية تحولت إلى معامل كمبيوتر، وامام ضباط يصدرون اوامرهم من خلال اقراص مدمجة، وامام جنود ينفذون تلك الاوامر باستعمال اشارات الليزر. ولعلكم مثلي ايها القراء العرب صحوتم على واقع جديد بعد غفوة طويلة هي غفوة الحضارات الكبرى عندما تدخل إلى كهفها وتغيب عن عصرها دهراً ثم يعود اليها وعيها ويثوب اليها رشدها، فتكتشف ان عملتها النقدية ليست هي المتداولة في اسواق العصر وان الاجيال التي نشأت منذ نومتنا الطويلة من اجيال اخرى تتكلم بلغات عربية لانكاد نفقهها. ذلك ما وقع لي وانا ارى هذا العالم الالكتروني في الحرب وفي السلم يعلن بقوة عن عصر جديد. ونحن لا نزال نحمل تراث القراءة والكتابة والحنين والحب والمجد والنصر. وبالطبع ليس ذلك طعنا في هذه القيم الانسانية الخالدة، بل بالعكس ستبقى هذه القيم ما بقي الانسان. لكن الاحساس بها والتعبير عنها تغيراً كثيراً عما كانا عليه. وتقدمت الوسائل وتخلفنا. والخطر الحقيقي ليس هو تخلفنا، لان التخلف حالة ثقافية ونفسية تمر بها الامة وتتجاوزها بالابداع واستعادة الثقة في النفس.. لكن الخطر هو ان نستسلم للتخلف عن اقتناع بأننا اقل شأنا من الامم الاخرى وبأننا مستهلكون لما ينتجون وآكلون لما يزرعون. فالحقيقة التاريخية هي ان الحضارة الحديثة بما فيها من ادوات ما هي الا نتاج تلاقح الثقافات جميعاً. وللامة الاسلامية ـ والعرب جزء منها باع في التطور الالكتروني حتى للكمبيوتر منذ اكتشاف الكسور في الرياضيات على ايدي الخوارزمي والقلصادي وابن الهيثم إلى ادق مكتشفات الفيزياء الحديثة على ايدي عبدالسلام الباكستاني واحمد زويل المصري وهما حاصلان على جائزة نوبل. ولكننا امة نصدر اعلامنا وعلماءنا إلى جامعات اميركا والاتحاد الاوروبي واليابان كما نصدر مثقفينا ومفكرينا وجميعهم يبحث عن مناخات الحرية وتشجيع البحث وتحفيز الابداع. فالتكنولوجيا الراهنة هي ثمرة غرسها وسقاها ورعاها كل علماء الحضارات المختلفة لكن قطافها كان وقفاً على الغرب لانه استقطب مبدعيها وصانعيها وقطع ما بين العرب وما بين حصاد زرعهم. وتحولنا بتراكم اخطائنا إلى مستهلكين موضوعين على رفوف التاريخ ننظر بعيون عاجزة إلى مصائرنا تصنع امامنا وإلى خرائطنا ترسم بالرغم عنا. وتحولنا إلى مدافعين عن بقائنا بدلاً من ان نتحلى بعقلية الفاتحين والمنتصرين. فالفتح التكنولوجي متاح لنا اذا ما اعدنا النظر في طريقة ادارة مجتمعاتنا بتشريعات تصون كرامة العلماء وتحقق مساهمة كل الناس في صناعة اوطانهم واذا ما شحنا التربية والتعليم بروح المسئولية والمبادرة والمواطنة واذا ما نسقنا جهودنا للتعاون العربي العربي في جميع المجالات حتى نواجه العالم وحدة صماء وتجاوزنا خلافاتنا الظرفية وامزجتنا العربية لننهض للفتح التكنولوجي فنساهم في حضارة العالم المعولم بما أتاح لنا الله سبحانه من عقول نيرة وافكار خيرة. ولقائل ان يقول: ما لنا نحن العرب وهذا الموضوع. فنحن نواجه تحديات حرب اميركية معلنة ضد العراق كمرحلة اولى وضدنا جميعاً اذا ما استطاع المتطرفون الاسرائيليون جر واشنطن إلى مجابهة شاملة مع الاسلام؟ والجواب هو نعم نحن بازاء تحديات خطيرة وعلينا ان نعد ما استطعنا من قوة... والقوة في هذا العصر هي اساسا قوة التكنولوجيا في المعرفة وتخزين المعلومات وتوظيفها وحسب العبارة القرآنية الكريمة: «قل هي يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» (الزمر 39). فالهزيمة هي قدر الذين لا يعلمون والنصر حليف الذين يعلمون.. في الحرب كما في السلم. اننا مقبلون على مرحلة محورية في حياة امتنا.. اما يقظة عارمة تهزنا من جذورنا وتغرسنا في العصر... واما هجعة ما بعدها صحوة.. ندخل بها كهفنا المظلم لننام ونفقد الاحساس وتمضي الدنيا من حولنا غير عابئة بنا حتى يحق علينا قول الله عز وجل: «وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم» (محمد 47). اننا في هذه النقطة اليوم.. تقاطع طرقات خطيرة وتقاطع خيارات صعبة.. ومجدنا وراءنا يمكن استدعاؤه وتفعيله بادوات العصر. كما يمكن تحنيطه لا قدر الله لنجعل منه اوثانا نتمسح بها كما في الجاهلية الاولى. الامل معقود على اجيال شبابنا العربي وعلى ما غرسناه فيهم من ارادة وانتصار.. لرفض الاذلال والانكسار ودخول المستقبل بعزة نفس وارتفاع همة. ـ باحث تونسي