الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 مع اقتراب ساعة الحسم على المسرح العراقي، تسافر إلى مناطق مختلفة من الخليج، وتصغي إلى أفكار ورؤى متخذي القرار أو من المراقبين، فلا تسمع إلا تعبيرات الحيرة، وتراجع القرارات التي تتخذ بعجالة، فلا تتبين إلا أن هذه الحيرة يصاحبها الارتباك، فبعض هذه القرارات لا داعي لها وبعضها يدل على الحيرة أكثر مما يدل على تصور واضح وجلي لما يراد أو ما لا يراد. هذه الحيرة وذاك الارتباك ليسا نابعين مما سوف يحدث مع بدء العمليات العسكرية في العراق، بل هما نابعان من حيرة ما يمكن أن يعقب تلك العمليات العسكرية من وضع سياسي جديد في المنطقة. فالحليف الأميركي حتى الآن لم يظهر على وجه الدقة ماذا يريد أو يرغب أن يرى من سياسات عامة في منطقة الخليج، كما انه لا يعلن بوضوح رؤيته المستقبلية لهذه المنطقة الحساسة من العالم، اما بسبب عدم وجود هذه الرؤية أو بسبب إخفاء متعمد للمتوقع، والرسائل الواردة من هناك، الواضحة أو المستترة، اقل ما يقال فيها أنها غامضة وبعضها متناقض. واضح من الخطوات العملية التي يتخذها الطرف الأميركي في منطقة الخليج انها تقود إلى التيقن أن وجوده في الخليج سيكون شبه دائم، فالاتفاقات العسكرية التي توقع مع بعض دول المنطقة تمتد إلى عشرين سنة وأكثر، كما أن تأجير المنافع العامة كالسكن وأمثاله في بعض دول الخليج وتوقيع عقودها لعدد من السنوات يقارب الخمس، وهو زمن طويل نسبيا لمثل هذه العقود، يصاحب كل ذلك حشد عسكري كبير ومكثف، وخطط يعلن عن بعضها تذهب إلى التأكيد أن تنفيذ السياسات المبتغاة يحتاج إلى وقت طويل نسبيا، كل ذلك يؤدي إلى القول ان ثمة اندفاعاً لملء فراغ تشعر به الإدارة الأميركية، حقا أو باطلا، وتساعدها الظروف القائمة على فعل ذلك. حصار الحيرة الهدف المعلن الآن هو العراق، ويبدو أن هناك اتفاقا بين المراقبين في الخليج أن هذا الهدف مستقر الوفاق عليه، وظاهر كهدف سياسي لا لبس حوله، وله تبريراته المنطقية، إلا أن غير الظاهر هو السياسة الأميركية متوسطة وبعيدة المدى، في العراق وفي الجوار بعد تحقيق المراد المباشر في الهدف الأول. تشتكي الولايات المتحدة من فكر للإرهاب قد تفشي وأصابها بضرر بالغ، وقد كانت منطقة الخليج إحدى المناطق المهمة التي احتضنت هذا الفكر من وجهة نظرها، فالمطلوب إذن هو تغيير المناهج التعليمية وتنقيتها من شبهات هذا الفكر، حتى يشب الجيل الجديد وهو متخلص من إرادته إلا أن هذا التصور هو تصور تبسيطي، لعدد من الأسباب. فأولا من المشكوك فيه أن مصدر التعصب الوحيد وغير المنازع هو المناهج المدرسية الرسمية، فالمدرسة هي نتاج مجموعة من العناصر المجتمعية، كما أنها ليست حاسمة في بناء التوجهات العامة للناشئة، وثانيا فان فكر الإرهاب ليس محصورا هناك بين ضفتي الكتب المدرسية، وإلا كان التخلص منه أمرا ميسورا، فهو متداخل في بنية ثقافية تم اعتمادها منذ زمن نتيجة الممارسات الطويلة في التثقيف المجتمعي العام، فالإرهاب نتاج للتعصب، والأخير هو الابن الشرعي لعدم قبول التعددية من جهة واغتراب تنتهك فيه الكثير من القيم المتوافق عليها، فالتعصب هو تشوهات للصورة النمطية للآخر، وهي صور نمطية دينية أو طائفية أو اجتماعية أو ثقافية، يجرى مبكرا غرسها في نفوس الناشئة، متخللة بالجهل من جهة أو بالمصالح من جهة أخرى. وبالتالي فان تنقية المناهج المدرسية بحد ذاتها هي كمعالجة النتيجة من دون التعرف على السبب، وعادة ما يكون الفكر هو نتاج ممارسات وتصورات واقعة على الأرض، فان عولجت هذه الممارسات تم بسهولة إزالة أسباب التعصب، ومن ثم الإرهاب، لذا فان الجهود لابد أن تنصرف إلى الأسباب لا النتائج، وأسباب الإرهاب هو ثالوث الإحباط والذي يتحول إلى عدوانية، عادة ما توجه إلى مصدر وهمي ومتخيل لسبب الإحباط، وتؤدي هذه العدوانية إلى (كبش فداء) للمحبطين، فهي إذن أسباب تتعدى فقط مناهج دراسية كما يراد أن يسطح للظاهرة، كما أن هذا الإحباط يتجاوز دول الخليج إلى محيط عربي تتهم جماعات فيه أنها غذت الفعل الإرهابي بالرجال والفكر. في بعض التصريحات الأميركية الأخرى نجد أن بؤرة الاهتمام تتحول إلى المجال السياسي، فبعض الأطراف الأميركية تتحدث عن ضرورة دمقرطة مجتمعات الخليج، والدفع بها لتبني ممارسات (ديمقراطية) في تعاطيها للشأن العام، وتأتي تصريحات أخرى تقال على لسان بعض أهل السلطة في السياسية الأميركية، متناقضة مع ذلك التوجه، تذهب إلى القول أن الديمقراطية لا يجب أن تتبنى من دول الخليج دفعة واحدة، بل يجب أن تقدم للمجتمع على شكل جرعات خفيفة! بين هاتين المدرستين من التصريحات يحتار الكثيرون، ففي الأولى لا تكسب مثل تلك التصريحات جزءاً من المجتمع، يرى أن تطبيق ديمقراطية بشكلها الغربي غير جائز أو ممكن في هذه المجتمعات. وفي التالية لا تكسب تلك التصريحات المضادة بتقديم الديمقراطية على جرعات صغيرة فئات واسعة من المطالبين بالديمقراطية، التي يرون فيها احدى الوسائل الناجحة للقضاء على التعصب، وبالتالي الإرهاب. فأي السياسات ترغب الولايات المتحدة حقيقة في أن تراها مطبقة في الدول العربية المجاورة للعراق، وأي الشرائح الاجتماعية تريد الولايات المتحدة أن تكسبها! عين العاصفة حقيقة الأمر انه لا إصلاح التعليم ولا تبني خطوات في الدمقرطة بحد ذاتها يمكن أن يقدما حلولا ناجحة ان استثنينا النظر إلى الموضوع الاقتصادي، فالعالم العربي يعج بالفقراء والمعوزين، ويغذى هؤلاء إعلاميا بفكرة خاطئة، أن أهل الخليج أغنياء، قد يكون ذلك صحيحا من حيث الشكل، أما الجوهر فان الاقتصاد غير المنتج لا يمكن أن يقود إلى الغنى بالمعنى الاقتصادي، القائم على الإنتاج خارج القطاع الحكومي، فلا تتوفر حرية لأفراد مجتمع في مواجهة سلطة، تملك التحكم في الاقتصاد، ويمكن أن تغلق أمام هؤلاء الأفراد أبواب الرزق ان أرادت. لقد كان مقتل الحرية، كما ظهر جليا في التجربة الاشتراكية، هو الاعتماد كليا على الدولة، والسيد الذي يطعمك لا يجوز لك تجاهه إلا الشكر. والحيرة البادية في حديث من لقيت في دول الخليج، تتجاوز ذلك لتصل إلى القضية الأصلية، وهي مستقبل العراق نفسه، فحتى الآن تشاهد هذا الحشد العسكري الهائل في منطقة الخليج، وتقريبا كل يوم يأتيك بأخبار حشد جديد، وفي المقابل تسمع من واشنطن أن ( القرار لم يتخذ بعد) ومن ثم تقرأ تسريبات إعلامية مختلفة، ومتناقضة أيضا، سواء في بقاء الحكم كما هو في العراق بعد أن يقدم التنازلات المطلوبة، وبين خروج الحكام الحاليين إلى المنفى وبين تعيين حاكم أميركي للعراق في المستقبل، تصبح ادارته شريكا في منظمة الأوبك أيضا، وبين حكومة جديدة تشارك فيها المعارضة، كل ذلك تكهنات، بمثلها تزداد الحيرة ويتسارع الارتباك. بنية الاستقرار المعروف الاقتصادي والسياسي والثقافي في الخليج تتعرض في هذه الفترة الحرجة للاهتزاز الشديد، والواضح أن المؤسسات المنوط بها أن تنظر في مثل هذه الحالات مثل مجلس التعاون الخليجي، غير قادر بسبب الاختلافات في الرؤى، أن يقدم تصورات معقولة لمواجهة الخطر الكبير الآتي، كما لا يوجد في منطقتنا مراكز بحث مستقلة تقدم لنا بعض المؤشرات للاستعداد للآتي، وما لدينا من توقعات هو النزر اليسير. ويبدو أن الخليج مراقب وغير مشارك فيما يجري، متوقع للأحداث غير قادر للتأثير فيها، وهو مثل بقية الدول العربية لا تستطيع حولا ولا قوة، الفرق أن تلك الدول ربما تكون بعيدة جزئيا عن عين العاصفة، أما الخليج وأهله فهم في وسطها تماما. ـ كاتب كويتي