الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 العلاقة بين القاريء العربي وبين الكتاب علاقة باردة في كثير من جوانبها، وعوائدها الاجمالية محدودة وضعيفة ولا ترقى في عمومها بالقاريء المحترف المواظب على ممارسة القراءة والتنقل بين الكتب الى مرحلة تمثل الافكار وهضمها واستيعاب مضامينها الفكرية والقيمية ثم إعادة تمثيلها في الواقع، أو في انتاج معرفي جديد يضيف الى المعلومة اكثر مما اخذ منها، ويثري الحياة الفكرية والمعرفية بكل ما هو اصيل وجديد ونافع. وهذه احدى الازمات الفكرية التي اوقع فريق من الكتاب الجدد انفسهم فيها دون مبرر الا الرغبة في التقليد، والشعور بالانبهار والاكتفاء بما هو موجود. فقد اقتحم جملة من الكتاب ميدان التأليف دون ان يكتشفوا معايير التميز في العمل المكتوب ودون ان يتهيأ لهم الذهن المتقد القادر على الارتقاء بمعالجة الموضوع الذي يتصدون له والذي يدلهم على طريقة خاصة في الكتابة والتأليف تتجاوز النمط التقليدي وتقوم بإعادة عرض الافكار وفق رؤية جديدة تحتكم الى المعيار العلمي وتلتزم بالموضوعية. وهكذا وجدنا انفسنا امام مؤلفين جدد لا يتعدى دورهم دور النساخ الذين اشتهروا في الدولة العباسية وقاموا بمهمة نسخ الكتب التي ألفها اناس غيرهم لتيسير وصولها الى الناس. وبينما كان نسّاخ ذلك العصر المضيء مجيدين في صنعتهم، مبدعين في نقلهم فإن نساخ العصر الحديث ليسوا بمجيدين ولا بمبدعين في العمل الذي يقومون به والسبب واضح ولا يحتاج الى جدال أو مراجعة. فالنساخ الذين ظهروا في الدولة العباسية لم ينسبوا تأليف تلك الكتب اليهم بل كانوا منصفين واكتفوا باعلان شرف الانتماء الى فريق النساخ الذين يعلمون تمام العلم خطورة الدور الحضاري الذين يؤديه هذا الفريق المتميز الذي يسّر وصول الكتاب الى الناس، وسهل انسياب المعلومات وانتقالها من الكاتب الى القراء عبر جهدهم الدؤوب في النسخ والتدوين، وكان ذلك كله كافيا في نظرهم ليتأكدوا بانهم اصبحوا يشكلون الجهاز الثقافي والاعلامي النشط الذي عليه ان يوزع رسائل العلماء وكتبهم في ارجاء المعمورة. اما نساخ العصر الحديث فهم فئة اختلطت عليهم طبيعة الدور الذي يقومون به، وجهلوا ان نقل المعلومات وتصنيفها لا يرشحهم ليدخلوا ضمن اطار الكتّاب والمؤلفين وذلك بسبب محدودية الدور الذي يمارسونه، ومحدودية الأثر الذي تتركه تلك الكتابات في نفوس القراء. وكم رأينا من كتابات مستهلكة كان يمكن اخذها من مصدرها الاصلي دون الحاجة الى ذلك النوع من الاستعراض الكتابي الذي لا طائل منه الا اشاعة ثقافة الاكتفاء الذاتي بما هو موجود والرضا بما هو متوفر، والقناعة بما جاء به السابقون، وكل تلك المؤشرات ليست الا دليلا على ضبابية الرؤية، والعجز عن تحمل مسئولية هذا الدور الخطير. والثقافة الاسلامية هي اول مجني عليه في هذا الجانب، حيث احتشدت لها اقلام ضعيفة اكتفت بالنقل الحرفي للنصوص الشرعية والشروح التي تناولتها دون النظر إلى أهمية تقريب معاني تلك الشواهد والنصوص الى ذهن القاريء واسقاط تلك النصوص على الواقع لتحقيق قدر من الاندماج بين النص والحياة المعاصرة لكي يساهم في سد الفجوة الذهنية والنفسية والمعرفية ويضفي قدرا من الشعور بالتجانس والتآلف مع القديم المقدس دون ادنى اشتباك او تصادم او خلط. الامر الذي يدعو الى وصف تلك العقول التي انتجت مثل هذا النوع من العمل المكتوب بأنها عقول فقيرة بمواردها المعرفية، فقيرة بامكاناتها وادواتها العلمية. لها قامة محدودة، ونظرة قصيرة الى القضايا التي يتصدى للبحث فيها. ولو اقتصر اثر ضعف رؤية الكتاب ومحدودية الدور الذي يقومون به عليهم لهان الامر كثيرا لكن المشكلة الاكبر التي ترتبت على هذا الوضع المرفوض هي في الانعكاسات السلبية التي نتجت عنها وشملت في المرتبة الاولى ذوق القراء واثرت على مفاهيمهم وهو ما نرغب في عرضه عليكم في الغد باذن الله.