الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 أنظمة العالم الثالث السياسية ـ والعالم العربي جزء لا يتجزأ من هذه الأنظمة ـ تعاني من حالة فصام شديدة، والفصام مرض ذهني شديد الخطورة يدخل صاحبه في حالات متباينة ومتناقضة، فتراه من يوم لآخر متنقلاً بين النقيض ونقيضه دون أن يشعر بذلك، وفصام الأنظمة العربية مستحكم وميئوس منه، وهذا هو السبب الحقيقي الذي دفع الاميركان لطرح مبادرتهم الأخيرة بشأن الديمقراطية. معظم أنظمة العالم الثالث اليوم تحاول أن تقدم نفسها للاميركان على أنها ضد الارهاب، وبأنها شريك حقيقي وملتزم بمكافحته ومحاربته واجتثاث جذوره .. فنفاجأ بأن أول من تصب عليهم قذائف حرب الارهاب هم شعوب هذه الأنظمة، ومعروف بأن سجلات العالم الثالث مليئة بحكايات مرعبة حول مخالفات دولية لاتفاقيات حقوق الإنسان .. انه وبقدرة قادر يتحول النظام إلى جهاز إرهاب ومطاردة ضد مواطنيه وبشكل علني وسافر، ثم يتبجح رموز ذلك النظام بموقفه المعادي من الارهاب!! ومعظم أنظمة العالم الثالث مصابة بداء فوبيا الرأي العام أو الخوف المرضي من الرأي العام بكل قنواته واشكاله، ومن هنا تسجل منظمات الصحافة العالمية ومراسلون بلا حدود مخالفات مخجلة لما يتعرض له الصحفيون من مطاردات وتهديدات تصل حد التلويح بالقتل لمجرد نشر معلومات أو آراء تطال فئات متنفذة في بنية النظام السياسي، أو تلك الفئات التي ترتبط مع النظام بعلاقات مصالح شديدة التداخل وخاصة رجال الأعمال وأصحاب الشركات العالمية .. والعجيب حين يصرح رموز الأنظمة السياسية في العالم الثالث بتشجيعهم للصحافة وحرية الرأي، بينما يتابع الناس في المجتمع حالات الضغط والترهيب التي يتعرض لها أصحاب الرأي ورجال الإعلام الذين يجدفون عكس تيار اصحاب النفوذ والمصالح. ومعظم الأنظمة السياسية في العالم الثالث والنامي ـ والعالم العربي جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة ـ يصرّ، ظاهريا على الأقل، على انتهاج النمط الديمقراطي النيابي بشكل او بآخر كصيغة حديثة للحكم، كما يصر على الحديث وبصوت عالٍ عن المشاركة السياسية وتوسيع هامش الخلاف والتعددية السياسية، وكل ذلك وفق سيناريوهات وتقاسم أدوار داخل النظام نفسه، بمعنى انها ديمقراطية مؤكدة في الاسم الرسمي للدولة الديمقراطية، لكنه في الحقيقة مفتقد تماماً على ارض الواقع، وإلا فما معنى استصدار الأحكام تلو الأخرى في بعض البلاد بحظر الجماعة الفلانية واغلاق الصحيفة العلانية، واعتقال الجماعات المناوئة، وحظر الحزب المعارض و ... والطامة الكبرى حكاية توريث الحكم في بعض الأنظمة، التي تصر على أنها ديمقراطية جداً وتحترم رأي الجماهير جداً، وتقدس الحياة البرلمانية جداً جداً؟! حالة الفصام في أنظمة العالم الثالث تاريخية وضاربة في جذور البنية السياسية والاجتماعية، بحيث استطاع هذا التاريخ المتراكم من القمع والديكتاتورية وإلغاء الرأي الآخر والانسان المخالف، وانعدام المعارضة وسيادة اللون الواحد والرأي الواحد والشخص الواحد، أن يوجد شعوباً منسحبة من الحياة، مليئة بعقد النقص والدونية تجاه شعوب الغرب وأميركا، كما انها شعوب لديها استعداد فطري لأن تكون مستعمرة ومستعبدة ومهزومة .. ولعل أبشع ما أصاب هذه الشعوب استعدادها لتقبل الحكم القمعي القهري برضا واستسلام؟ ان الديكتاتورية والقمع والمصادرة حالات مرضية مزمنة تنخر في جسد النظام العالمثالثي .. لكنها لا تنمو في فراغ ولا تبقى وتستمر بعشوائية .. هناك من يحرص على تغذيتها واستمراريتها لضمان شبكة معقدة من المصالح يتواطأ اصحابها على رعاية الفساد وحمايته وتوريثه!!