الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 رحم الله عماد الدين الكاتب وأكرم مثواه: هو أبوعبدالله الاصبهاني وقد عاش خمسا وسبعين سنة بين عامي 1125 و1200 للميلاد.. وكان ذلك في عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي أجزل الله ثوابه فهو ـ كما تعلم ـ فاتح القدس.. سلطان مصر ومحرر فلسطين. لا عجب أن يشغف عماد الدين الاصبهاني وهو الكاتب المؤرخ الأديب بأخبار صلاح الدين وان يؤرخ للسلطان المظفر.. أخباره وحروبه.. أخلاقه وجليل أعماله في كتاب بعنوان «البرق الشامي». لكن الكتاب الذي ذاعت شهرته من أعمال عماد الدين هو الذي يحمل عنوان «الفتح القسي في الفتح القدسي».. وقد تجلت فيه مواهب مؤلفه وخاصة انتصاره للكلمة على البناء والتحجر.. وحماسه للشعر الجليل الذي رآه مرشحا لخلود الذكر قبل باذخ الصروح وعظيم المباني.. صحيح أن أهرامات الجيزة مازالت شاهدة على عبقرية مهندسيها.. لكنها قد تكون هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة التي ذهب اليها عماد الدين الاصبهاني من أن الكلمة تبقى لأنها صرح من ابداع، في حين قد يقتضي الزمان ضريبته من صروح المباني المشيدة بالحجر أو حتى بالصخر الصلد الصوان ـ فإذا بها لا تصمد لعوادي الدهر بل هي تتحول الى اطلال ومن ثم تبيد ولا يبقى منها الا ذكريات هي التي تجسدها الكلمة وتخلدها الحروف. هكذا قارن صاحب «الفتح القسي في الفتح القدسي» بين ايوان كسرى الذي اشتهر معماره في آفاق الزمان القديم، وبين قصيدة البحتري الشهيرة في وصف ايوان كسرى المذكور أعلاه.. والحاصل ـ وأنت سيد العارفين ـ أن الايوان انهدمت مع الزمن صروحه وانقضت دعائمه وبادت قوائمه.. في حين أن قصيدة أبي عبادة ـ البحتري ظلت ومازالت ماثلة في ذاكرة أدب الابداع العربي ـ شعرا جميلا وجليلا تردده الألسن وتستودعه القريحة العربية في وجدان ابنائها جيلا من بعد جيل. في هذا السياق يقول العماد الكاتب: فانظروا الى ايوان كسرى وسينية البحتري في وصفه، تجدوا الايوان قد انقضت شعفاته (أركانه المطلية) وعفرت شرفاته، (ولكن) تجدوا سينية البحتري قد بقى بها كسرى في «ديوانه» أضعاف ما بقى شخصه في «ايوانه» والمعنى أن ذكرى كسرى عظيم الفرس قبل الإسلام قد بقيت بفضل سطور ديوان البحتري.. أضعاف ما بقى لكسرى ذكر أو أحدوثة في الايوان الذي كان اهل العالم القديم يشيدون بحسن بنائه واستقرار أركانه. وكان طبيعيا أن يشغف بقصيدة البحتري أمير شعراء العصر الحديث أحمد شوقي.. وهي السينية التي يقول البحتري في مطلعها صنت نفسي عما يدنس نفسي وترفعت عن ندى كل جبس (ثقيل لئيم) بيد أن شوقي لم يكن يتمثل السينية وهو يخلد الى شرفة الدعة أو التأمل في «كرمة بن هانئ» التي اتخذها منزلا على ضفاف النيل: لقد جاشت كل العواطف في ديوان أمير الشعراء اذ كان يعاني قسوة المنفى حيث كان الانجليز المحتلون قد رأوا ابعاده عن مصر خلال الحرب العظمى الأولى فكان ان اختار شوقي النفي في اسبانيا وحين قرر أن ينتقل من منفاه في برشلونة في رحلة الى منطقة الأندلس الاسبانية.. استغرقت رحلته يومين الى حيث زار طليطلة وغرناطة واشبيلية. وفي هذا يقول أحمد شوقي: .. وكان البحتري ـ رحمه الله ـ رفيقي في هذا الترحال وسميري في الرحال.. والأحوال تصلح على الرجال.. كل رجل لحال، فإنه (البحتري) أبلغ من حلى الأثر وحيا الحجر ونشر الخبر وحشر العبر.. فكنت كلما وقفت بحجر (من آثار مسلمي الأندلس) أو طفت بأثر.. ذكرت قصيدته السينية.. وتمثلت بأبياتها واسترحت من موائل العبر الى آياتها.. هنالك قرر أحمد شوقي معارضة البحتري على طريقة الكبار من شعراء العربية.. قال ـ متواضعا ـ في الجزء الثاني من ديوانه «الشوقيات»: «ثم جعلت أروض القول على هذا الروى (حرف السين) وأعالجه على هذا الوزن حتى نظمت هذه القافية المهلهلة واتممت هذه الكلمة الريضه وأنا أعرضها على القراء راجيا أن يلحظوها بعين الرضاء ويسحبوا على عيوبها ذيل الإغضاء.. وهذه هي: اختلاف النهار والليل ينسى أذكر لي الصبا وأيام أنسي وصفا لي طلاوة من شباب صورت من تصورات ومس عصفت كالصبا اللعوب ومرت سنة حلوة ولذة خلس لكن ها هو الحنين الى الوطن وقد تغشى وجدان شوقي.. تحول شعره البليغ الى نشيد مفعم بالشوق الى الوطن والأهل في مصر.. الى ملاعب الصبا ومدارج الشباب الى مواطن الذكريات التي ما برحت وقتها تقترن بألم الفراق وقسوة النأي ومعاناة المنفى: نسى أحمد شوقي معارضة البحتري وأوصاف ايوان كسرى ـ وانطلق في السينية الحديثة التي أبدعها الى نشيد الحنين الى الوطن في قصيدته البليغة التي وصل عدد أبياتها الى 110 بالتمام والكمال.. وفي باب الحنين الى الوطن يقول أمير شعرائنا: وسلا مصر هل سلا القلب عنها أو أسا جرحه الزمان المؤسى كلما مرت الليالي عليه رق، والعهد في الليالي تقسى مستطار اذا البواخر رنت أول الليل أو عوت بعد جرس أحرام على بلابله الدو ح، حلال للطير من كل جنس؟ وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني اليه، في الخلد، نفسي شهد الله لم يغب عن جفوني شخصه ساعة ولم يخل حسي وهكذا كان شعور الحنين الى الوطن. وقد صاغه شعرا مبدع موهوب في قامة أحمد شوقي وكان ذلك منذ نحو 85 عاما. وقد عاد مؤخرا هذا الشعور بالحنين إلى الوطن ملحا وماثلا في الوجدان حين صدر في لندن في الأيام القليلة الماضية كتاب بالانجليزية بعنوان «البحث عن فاطمة» وكان عنوانه الفرعي المفعم بالدلالة هو: «قصة فلسطينية» وربما يمكن ترجمة العنوان ليصبح: قصة فتاة من فلسطين ومؤلف الكتاب هي الدكتورة (الطبيبة) غادة الكرمي التي صاغت قصتها، بل قصة شعبها العربي المناضل في 451 صفحة بدأتها بافتتاحية من الشجن المؤسى النبيل تحكي قصة خروجها وأسرتها من مدينتهم الجليلة ـ القدس.. تقول: ـ كان خروجنا من القدس في خطوات لاهثة.. وفي ايقاع مشوب بالتشوش والاضطراب.. فلم تتح لنا لحظة نلقى فيها بتحية وداع على بيتنا أو وطننا ولا على كل الذين عرفناهم وأحببناهم.. هكذا خرجت أسرة الكرمي تحمل وطنها بين جوانحها وتظل في حالة بحث عنه ودون أن تقول وداعا لفاطمة التي سهرت على تربية غادة مؤلفة الكتاب ولا ودعت الطفلة الفلسطينية صديقها الأثير «ركس» كلب الأسرة المدلل الذي لا شك شهدته شوارع القدس الجريحة في زمن الخروج عام 1948 نهبا للانكسار والضياع. عاشت أسرة الكرمي في لندن.. حيث عمدت الأم الى جمع كل ما هو فلسطيني من أثاث أو نسيج داخل بيتها.. وكأنما تعيد تجميع الشتات من الوطن البعيد المسروق.. وحيث تخرجت «غادة» طبيبة في مستشفيات انجلترا وحيث أصبح الأب.. الأستاذ حسن الكرمي مذيعا عرفته كل أجيال الأمة العربية على امتداد نصف القرن الأخير من خلال برنامجه الأشهر بعنوان «قول على قول» من اذاعة لندن وكان بدوره سجلا لذاكرة الشعر العربي على امتداد العصور. قالت مجلة الايكونومست في تعريفها بكتاب غادة الكرمي: أن الطبيبة الفلسطينية الأصل ما لبثت أن صقلتها الأحداث فكان ان اعادت النظر ـ منذ السبعينيات ـ في هويتها الوطنية فأصبحت من أبرز الناشطات في المجال السياسي. أشادت المجلة البريطانية بقدرة غادة حسن الكرمي على الرصد والملاحظة على نحو ما عكسته سطور الكتاب ثم بالنزاهة والأمانة الفائقة في سرد الأحداث فضلا عن رقة التناول ورشاقة الأسلوب بحيث جاءت مذكراتها (أو ذكرياتها) صورة ما أصدقها لحقيقة أن من الناس من لا ينفصل في وجدانه الخاص عن العام.. الشخصي عن السياسي، أو فلنقل لا ينفصل أبدا الإنسان عن الوطن.