الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 ... وهل أمن العالم يتوقف فقط على تجريد دولتين لا غير من دول العالم الثالث ـ العراق وكوريا الشمالية ـ من السلاح النووي واسلحة الدمار الشامل الاخرى؟ وأي ترسانة تشكل خطرا اعظم على شعوب الدنيا: الترسانة العراقية ـ اذا وجدت ـ والترسانة الكورية الشمالية من ناحية ام ترسانة الولايات المتحدة وغيرها من الدول الخمس الكبرى ومعها اسرائيل؟ والسؤال الاكبر اذن هو: هل القضية المطروحة هي ان يكون العالم مكانا آمنا للعيش ام هي انفراد قوى معينة بالهيمنة على الدنيا مستفيدة من احتكارها التفوقي لاسلحة الدمار الشامل؟ اما آن الأوان لبحث مسألة اسلحة الدمار الشامل من منظور عالمي وليس فقط من منظور الاجندة الاميركية الانفرادية؟ لقد اعلنت حالة الطواريء الاخبارية في وسائل الاعلام العالمية عند نهاية الاسبوع المنصرم وهي تنقل الى مئات الملايين من المشاهدين والسامعين والقارئين نبأ اعلان كوريا الشمالية قرار انسحابها من المعاهدة الدولية لمنع انتشار الاسلحة النووية وكأن هذا القرار اصبح من علامات الساعة، فالوسائل الاعلامية العالمية نسيت او تجاهلت ان تعيد الى اذهان العالم ان الولايات المتحدة رفضت ـ ولاتزال رافضة اصلا ـ التوقيع على هذه المعاهدة بينما اتخذت لنفسها منبرا فوق القانون لوعظ الناس بشأن مخاطر الاسلحة النووية. انه ليس فقط وعظا ممن ليس مؤهلا لوعظ الاخرين وانما هو ايضا وعظ انتقائي مشفوع بتهديدات وعقوبات ومقاطعات الى دول بعينها مع اغفال دول اخرى عمدا. وأحدث الاخبار في هذا الصدد تقرير صادر عن وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية يدمغ ثلاث دول عربية اسلامية ـ سوريا وليبيا والسودان ـ بمحاولة الحصول على اسلحة للدمار الشامل او القدرة على تطوير هذه الاسلحة، وكأن واشنطن حققت بذلك كشفا استخباراتيا خطيرا لفائدة بني البشر اجمعين، وتضاف الى هذه الدول الثلاث، ثلاث دول اخرى عربية واسلامية اثنتان منهما متهمتان بامتلاك مثل هذه الاسلحة وهما العراق وباكستان والثالثة متهمة بمحاولة التملك. ان القضية في اطارها الصحيح ليست ما اذا كانت الاتهامات الاميركية لهذه الدول الست صحيحة او غير صحيحة، دقيقة او غير دقيقة، وانما القضية هي، اذا اضفنا كوريا الشمالية الى القائمة، لماذا تحصر مسألة اسلحة الدمار الشامل في دول عربية واسلامية او دول اخرى تصنفها الولايات المتحدة من منطق استراتيجتها الدولية الذاتية كعدو؟ وبتمديد التساؤل الى نهايته المنطقية القصوى نقول ايضا: لماذا تتجاهل الولايات المتحدة نفسها واسرائيل؟ ولنأخذ في الاعتبار ان الولايات المتحدة ما كانت لتتوقف عن الضغط على باكستان لتصفية برنامجها النووي الا لاعتبار بقاء هذه الدولة الاسلامية في ائتلاف مكافحة الارهاب. ولننظر في بعض الارقام المفيدة. تمتلك اسرائيل حاليا ترسانة من 250 قذيفة نووية من قنابل ورؤوس نووية «كوريا الشمالية بالمقارنة تملك 12 قذيفة نووية فقط» وتأتي الدولة اليهودية في المركز السادس بعد القوى الدولية الخمس مباشرة من حيث امتلاك احتياطي البلوتونيوم ـ المادة الخام الاساسية لتصنيع الاسلحة النووية.ولدى اسرائيل عدة مصانع لانتاج الاسلحة الكيماوية خاصة غاز الاعصاب والغازات الخانقة والغازات «النفسية» كما ان لديها برنامجا كبيرا لانتاج الاسلحة الجرثومية يستخدم فيه احدث وسائل التكنولوجيا الحيوية بمعونة اميركية. ولديها ايضا مصنع ضخم لانتاج الصواريخ البالستية من بينها صواريخ «اريحا» التي تستطيع ان تصل العمقين العربي والاسلامي بسهولة لمدى آلاف الكيلومترات، اما الارقام الخاصة بالترسانة الاميركية فإنها تتجاوز الاسطورة 67 الفا و 500 صاروخ نووي و 4 آلاف و680 قاذفة صواريخ استراتيجية، و 32 ألفا و 193 رأسا نوويا. فماذا تساوي القوة التدميرية لكل من العراق وكوريا الشمالية وباكستان مجتمعة بالمقارنة مع القوتين الاميركية والاسرائيلية علما بأن قوة العراق دمرت بالفعل وان القوة الكورية مستهدفة حاضرا والقوة الباكستانية مستهدفة مستقبلا؟ وبالطبع فإن الولايات المتحدة تتجاهل تماما ـ لاعتبارات دولية متشابكة ـ ترسانات القوى الكبرى الاربع الاخرى بريطانيا وروسيا وفرنسا والصين. ان خاصية السلاح النووي هي بالدرجة الاولى انه سلاح ردعي، اي انه سلاح يمُتلك لكي لا يستخدم، فالعدو الذي يمتلك اسلحة نووية يخشى استخدامها ضد الطرف الاخر، اذا كان ذلك الطرف الاخر يمتلك بالمثل سلاحا نوويا، حتى لو كان متواضعا في الكمية. طبق هذه القاعدة على الصراع العربي الاسرائيلي لتدرك ان الدول العربية والاسلامية تبقى هدفا سهلا لاسرائيل النووية طالما بقيت هذه الدول، كما تريد لها الولايات المتحدة بلا رادع نووي. أليس عجيبا اذن ان دولا عربية واسلامية تقف الى جانب الولايات المتحدة في تجريد العراق من اسلحة الدمار الشامل؟ ان الموقف المنطقي الذي ينبغي ان تتخذه هذه الدول هو اما المطالبة بتصفية الترسانة الاسرائيلية في مقابل تصفية الترسانة العراقية، او المطالبة بابقاء الترسانة العراقية كرادع ضد اسرائيل.