الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 تطور الانشغال العربي بتفاعلات الداخل الاسرائيلي، حتى باتت الحملات الانتخابية النيابية الاسرائيلية موسما للجدل بين القائلين بوجود تيارات سلامية يمكن التعويل عليها في اسرائيل وبين الرافضين لهذا الزعم بشكل مطلق أو نسبي. الصدفة وحدها أدت مؤخرا الى التزامن بين انعقاد المؤتمر السنوي السادس عشر للبحوث السياسية بجامعة القاهرة 28 ـ 31 ديسمبر 2002 وبين مجريات الحملة الانتخابية للكنيست السادس عشر. إذ إن الاعداد لهذا المؤتمر تحت عنوان «اسرائيل من الداخل.. خريطة الواقع وسيناريوهات المستقبل» كان سابقا لسقوط حكومة ارييل شارون بخمسة أشهر.. غير أن هذا التزامن منح المؤتمرين، وهم من صفوة الباحثين في شئون الصراع الاسرائيلي العربي، زخما وحماسا للتدبر المعمق في تداعيات الحملة الانتخابية العتيدة ونتائجها على مسار الصراع وافاقه وخطه البياني بين نقطتي التسوية والحرب. التباس المعايير والحق، ان الفضيلة الأكبر لهذا التزامن هي تقعيد التناظر القديم والمتواصل بشأن تقلصات الداخل الاسرائيلي وصعود القوى السياسية الاسرائيلية وهبوطها، اقترابا أو ابتعادا من سدة الحكم، وعلاقة ذلك بسيرورة الصراع، على أسس أكثر علمية وموضوعية، فالمؤتمر بطبيعته ومنهجيته لا يحتمل ما يمكن أن تنطوي عليه النقاشات المعتادة من مهاترات أو إطلاق للأحكام بغير سلطان مبين. كان من نصيب كاتب السطور التعقيب في المؤتمر على ورقة بحثية تتحدث عن حركات السلام في اسرائيل. وقد ذهب صاحبها الى أن اتجاه السلام في الحركة الصهيونية، قبل قيام الدولة اليهودية وبعده اتجاه أصيل. وأنه ينبغي على العرب تشجيعهم القوى الساهرة عليه داخل هذه الدولة في الوقت الراهن. وربطت الورقة بين هذه القوى التي وصفتها باليسارية وبين استئناف مسيرة التسوية على نحو يراعي الحقوق العربية والفلسطينية إذا ما قدر لليساريين الوصول الى أغلبية برلمانية تؤهلهم لتشكيل الحكومة المقبلة.. وعموما، دافعت الورقة عن المدرسة العربية وغير العربية التي تتحرق لحدوث تحولات انقلابية في الداخل الاسرائيلي تنتصر لقوى السلام وتهميش الصقوريين اليمينيين كحزب الليكود والمؤتلفين معه وحوله من الجماعات الدينية المتطرفة.. ومن المعروف أن هذه المدرسة تتوسل الى هذه الغاية بمداخل كثيرة، أبرزها حاليا وقف المقاومة الفلسطينية لاسيما العمليات الاستشهادية. في معرض التعقيب رأينا أن الورقة والمدرسة التي تستند اليها تثيران مجموعة من الاشكاليات، التي بدون التعامل معها جديا وجذريا يفقد تحليل مواقف القوى السياسية الاسرائيلية إزاء الصراع مع العرب معناه وجدواه الحقيقية. الاشكالية الأولى تتعلق بضرورة تعريف وتوصيف قوى أو حركات أو جماعات السلام في اسرائيل. إذ ما المقياس أو المعيار الذي ينبغي اعتماده في تعيين هذه القوى أو اعتبارها صاحبة توجهات سلامية مع العرب بعامة والفلسطينيين منهم بخاصة؟! هل يكفي في هذا الاطار أن تنادي حركة ما برفع الحواجز عن الطرق الفلسطينية أو تقويض بعض المستوطنات المعزولة في الضفة وغزة أو تحسين معاملة المعتقلين الفلسطينيين أو اعادة انتشار جيش الاحتلال خارج مدن الحكم الذاتي.. أو حتى انسحاب هذا الجيش من مناطق أعاد احتلالها بعد 28 سبتمبر 2000، يوم اندلعت انتفاضة الأقصى.. هل يكفي ذلك لإضفاء صفة السلامية على حركة كهذه؟ المعيار الذي نقترحه على كل حال هو مدى اقتراب أو ابتعاد أية حركة معنية بحديث التسوية العربية الاسرائيلية من حقوق العرب، إما بالمعنى التاريخي أو بالمعنى القانوني «الشرعية الدولية» أو بالمعنى الذي طرحته مبادرة قمة بيروت العربية «مارس 2002» وهذا أضعف الإيمان.. ونكاد نغامر بالقول إن المجال السياسي الاسرائيلي بصعيديه الحركي الحزبي أو الفكري النظري يخلو من أية جماعة تتبنى واحدا من هذه المعاني بالكامل. إن أكثر هذه الجماعات عطفا على السلام مع العرب بزعم الزاعمين لا تؤيد أبدا حق العودة الفلسطيني أو عروبة القدس حتى بشطرها الشرقي فقط! الاشكالية الثانية، تتصل بكيفية التمييز بين اليمين واليسار الاسرائيلي.. وتتعقد هذه الاشكالية أكثر اذا ما حاولنا الوقوف على أهل اليمين واليسار صهيونيا، وهذه القضية تستبعد بداهة القطاع العربي في الدولة عرب 48، تماما كما أنهم مستبعدون من حيز الاشكالية الأولى. الصهيونية هي العمود الفقري لاسرائيل إيديولوجيا وقيميا. إنها البصمة التي تجعل من اسرائيل دولة لليهود فقط. وكل المماحكات والتدافعات الفكرية والحركية داخل هذه الدولة، لا يجب أن تلهينا عن هذا الرابط والمحدد الجامع بين كل القوى السياسية التي يموج بها القطاع اليهودي هناك. تربيع الدائرة! ولأن اليسار، مفهوم محمل بالنزعات الانسانية والحقوقية والعدلية التقدمية، ولأن الصهيونية أيديولوجية مشحونة بعكس هذه النزعات، فإن اللقاء بينهما في حكم المستحيل. لا يستطيع حزب اسرائيلي أن يدعي اليسارية والصهيونية في ذات الوقت إلا اذا تمكن من تربيع الدائرة! ويلحق بذلك بالتداعي أن التمييز داخل اسرائيل بين يمين صقوري ويساري حمائمي يجوز فقط في حال نحينا جانبا البعد الصهيوني من مجال التحليل. أي في حال أصبحنا إزاء اسرائيل فقط بلا صهيونية! فهل هذا ممكن؟ أتوجد في اسرائيل ـ القطاع اليهودي قوة سياسية خالية بالكامل من دسم الصهيونية؟ سيقول البعض اننا نأمل في تطور اسرائيل لتصبح دولة أقل صهيونية ولكن هل يمكن تجزئة البعد الأيديولوجي، ناهيك عن تغييبه، في الأفق السياسي لاسرائيل؟. أيعقل أن تقوم في اسرائيل اليهودية، الدولة التي تأسست على الفكر الصهيوني ومازالت ترضعه حركة نصف أو ربع صهيونية، يقدر لها في الوقت عينه أن تحكم وأن تحدد توجهات التجمع الاستيطاني «الدولة» إزاء قضايا الحرب والسلام مع العرب؟ كيف نتصور أن فكرا عنصريا واطارا معرفيا لا إنسانياً يمكنه أن يشتق حركة سياسية ديمقراطية أو إنسانية؟ للتعامل مع هذه الاشكالية، ليس لنا من سبيل سوى أن نفترض أن للصهيونية يمينا ويسارا خاصا بها غير الذي يعرفه الفقه السياسي بصفة عامة، واذا زعمنا ذلك جدلا، فإننا نواجه باشكالية أخرى، هي كيفية الحكم على اداء هذا اليسار الخاص جدا. إن الحركات الموصوفة باليسارية في اسرائيل وبنيتها الصهيونية تقول ما لا تفعل، وتفعل ما لا تقول. ويعرف من تابع مسيرة خطاب هذه الحركات، منذ بواكيرها كحركة بريت شالوم «تحالف السلام» التي قامت عام 1925، أي قبل اعلان الدولة بربع قرن، أنها تعاني من الازدواج والنفاق بين الفكر والعمل بصفة مستمرة، وحسبنا في هذا المقام الاشارة بكل أسى الى التاريخ الأسود لبعض من كبار المعدودين في معسكر السلام الصهيوني الاسرائيلي لنتأكد من هذه الحقيقة. فاسحق رابين هو أحد قادة الارهاب الصهيوني منذ عهد الهاجاناه وصاحب نظرية تكسير عظام المنتفضين الفلسطينيين في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وشيمون بيريز يحمل عار مذبحة قانا 1996.. بل أن أوري أفينيري الحمامة الشهير جدا كان من أوائل الداعين لضم القدس الشرقية الى اسرائيل عام 1967 . والشاهد أن مدرسة الاعتماد على تفاعلات الداخل الاسرائيلي لفرز معسكر سلام يجترح تسوية مقبولة للعرب أخذت حقها وفرصتها على مدار ربع القرن الماضي.. وأضحى على أتباع هذه المدرسة النظر مليا في منهجيتهم. فنحن ننتظر منهم أن يعتبروا بالسوابق التي أثبتت أنه لا مجال للتمييز بين يمين ارهابي ويسار تقدمي إذا ما تعلق الأمر بثوابت السياسة الاسرائيلية تجاه التسوية مع العرب، ومن يشكك في هذا الرأي عليه أن يمعن التأمل بكل موضوعية في مواقف السلاميين الاسرائيليين من القضايا الأعقد على المسار الفلسطيني. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة