الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 صحيح أن أهل اليمن أعرف من غيرهم بشعابها، لكن هذه الحقيقة لا تدحض حقيقة أخرى موازية أو مكملة لها، فكما أن المثل الشائع في مصر والسودان «من شرب من ماء النيل عاد اليه» كذلك من قدر له زيارة اليمن وجال في ربوعها ووقع في غرام شعبها وعمارتها وموروثها الحضاري مجبول ولاشك على أن يظل هذا الغرام متصلا ومتأججا، ولعله من هنا شاع وعم المثل القائل «لابد من صنعاء وإن طال السفر»، وأحب أن يفسر السر في ديمومة علاقتي باليمن، فقد ذهبت اليها لأول مرة في مهمة صحفية لتغطية وقائع إندلاع ثورة 26 سبتمبر عام 1962، وعدت منها على غرار مجنون ليلى، وكلما استبد بي الشوق اليها التقينا، وغالبا ما كانت تبدو لي عفية وصبوحة ومتفائلة رغم كل ما شهدته من الكوارث والتحديات على مدى أربعين عاما، لكن ما تواتر مؤخرا من الأخبار المزعجة عن اليمن يشي ولاشك بأنها باتت على حد وصف الشاعر مثل ليلى - في العراق - مريضة، بل وتكاد موجة الارهاب والعنف التي ابتليت بها تذهب بعقلها وتذهلها حتى عن نفسها! والشعب اليمني كما هو معروف مدجج بالسلاح الأبيض والناري حتى أخمص قدميه، بل وضعف تعداده السكاني، ومع ذلك خاض التجربة الديمقراطية بنجاح لم يتوقعه أحد من أعدائه أو أصدقائه، فمنذ قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو عام 1990، أجريت الانتخابات النيابية مرتين تم انتخاب رئيس الجمهورية دون أن تشهد مظاهر للعنف، فلا سمعت طلقة رصاص واحدة، ولا سقط قتيل واحد، أو نقطة دماء واحدة، وحاكت على حد تقدير المراقبين أرقى الانتخابات في أعرق الديمقراطيات الغربية من حيث النظام والنزاهة. وحين نكبت اليمن بظاهرة اختطاف بعض القبائل للأجانب، إلا أنهم شهدوا بحسن وفادتهم بمجرد الافراج عنهم، مقابل وعد من الحكومة أن تشملهم عدالة توزيع مشاريع التنمية، والمدهش حقا أن يحاول صحفي أوروبي إغراء إحدى القبائل على اختطافه، حين عرض كما من الدولارات في حوزته على مرأى من أنظار الزبائن في محلات البقالة أو المقاهي، لعله يفوز بتحقيق مثير لقرائه، وعندما كرر التجربة وفشلت عدة مرات، غنم بالكتابة عن محاولته فحسب، بينما كان سقوط القتلى من السواح الأجانب استثناء، عندما ارتكبت السلطات اليمنية خطأ فادحا عبر محاولة فك أسرهم بالقوة، بينما كتبت السلامة في كل حوادث الاختطاف السابقة، لأن الحكومة لم تتجاوز العرف القبلي بالقفز على مراحل التطور في مجتمع متخلف لا تزال القبلية من أبرز عناوينه السياسية والاجتماعية والأمنية. لكن على ما تبدو عليه الشواهد أن مارد العنف والارهاب كان انطلاقه من قمقمه عبر الفهم الخاطئ لصحيح الدين على يد أعداء الديمقراطية، خاصة وأن تداعياتها المؤسفة تزامنت مع بداية نشاط خلايا تنظيم القاعدة النائمة في اليمن عبر تفجير المدمرة الاميركية كول قبالة ساحل عدن عام 2000، ثم تزامنها من بعد مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن واعلان أميركا الحرب على الارهاب وإخفاء نواياها المبيتة على الحرب الصليبية ضد العرب والمسلمين. واذا كان رئيس وزراء اليمن عبدالقادر باجمال قد أكد في بيانه الأسبوع الماضي أمام مجلس الشعب أن خسائر اليمن من جراء تصاعد حوادث العنف والارهاب نحو 1.8 بليون دولار وشملت قطاعات السياحة والنقل والبترول والتنمية، فلاشك أن أميركا ضالعة بشكل مباشر وغير مباشر في هذه الكارثة، لأنها وهي أكبر وأقوى وأغنى دولة في العالم اليوم، فشلت في قراءة تاريخ اليمن، ولم تعن بفهم الشخصية اليمنية، ومن ثم راحت تقتحم حصون اليمن الوطنية والقومية المنيعة، بينما الانجليز - على سبيل المثال - لم يتجاوزوا عدن إبان احتلالهم جنوب اليمن، لأنهم أدركوا أن الأتراك سبق وذاقوا مرارة الفشل رغم تمسحهم بالخلافة العثمانية، والمصريون عانوا كذلك ويلات المقاومة الشرسة وتدفق الدعم بالسلام وريالات ماري تريزا من وراء الحدود، حتى زالت حواجز سوء الفهم والغياب المعرفي المتبادل. فإذا كان من المتعين على الأحزاب والقبائل ومنظمات المجتمع المدني أن تتحالف في مواجهة التناقض الرئيسي بديلا عن ابتلاع طعم الوقيعة فيما بينها، عبر حمل مسئوليتها في إحباط ظواهر العنف والارهاب في مهدها، فالمطلوب من الرئيس علي عبدالله صالح سرعة وضع الخطط العاجلة وبعيدة المدى لتجفيف منابعه، بداية بالحد من انتشار حمل السلاح، واقتلاع كافة مناهج ومؤسسات الدعوة المغلوطة والمشبوهة باسم الاسلام. لكن على أميركا أن تدرك جيدا نهاية فشلها المحتوم لاقتحام اليمن غصبا وجهلا، وتترك الأمر لأهل الحل والعقد الأكثر فهما وقدرة على حفظ الأمن والاستقرار، شرط أن تحمل المخابرات الاميركية عصاها على كاهلها وترحل من اليمن قبل طردها مثل الانجليز شر طرد! ـ كاتب مصري