الاحد 9 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 12 يناير 2003 كان المشهد الثقافي في الامارات خلال الأسبوع الماضي أكثر من رائع.. فقد بدأ الأسبوع بحفل توزيع جائزة راشد للتفوق العلمي الذي تنظمه ندوة الثقافة والعلوم سنوياً. وكانت الدورة الخامسة عشرة مناسبة لتجديد الحديث عن الجائزة التي تسلط الأضواء كل عام على فوج جديد من أولئك المتميزين من أبناء وبنات الوطن الذين انجذبوا لنور المعرفة، مواصلين طريقهم في تحصيل العلوم لنيل الشهادات العليا. وكان اللافت للنظر هذا العام تزايد عدد حملة شهادات الماجستير، الذين زاد عددهم على المئتين، مما يعطي مؤشراً على اننا بانتظار العدد نفسه أو قريباً منه من حملة شهادات الدكتوراه خلال السنوات القليلة المقبلة. وإلى جانب حملة الماجستير شهدت منصة التكريم الذين سبقوهم من حملة شهادات الدكتوراه، والذين هم على طريق النبوغ والتفوق من أوائل الكليات الجامعية والثانوية العامة والمدارس الفنية. وكان حضور الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع الحفل، كعادة سموه كل عام، أكبر حافز للمتقدمين لنيل الجائزة التي أصبحت مطمحاً يسعى إليه المتفوقون من أبناء الوطن لنيل شرف الصعود إلى منصة التكريم واستلام شهادة الجائزة من سموه. ثم جاء استقبال سمو الشيخ محمد بن راشد لمجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم بعد يوم من الاحتفال ليضفي بعداً كبيراً، ليس على الجائزة فقط، وإنما على الدور الذي تقوم به الندوة على الساحة الثقافية والعلمية في دولة الامارات بشكل عام وليس في إمارة دبي فقط. وكان اللقاء مع سموه تتويجاً لخمسة عشر عاماً من عمر الندوة التي تأسست في الثالث من شهر نوفمبر عام 1987 لتقوم بدورها في خدمة قطاعات الثقافة والعلوم بالدولة، في وقت تسارعت فيه وتيرة البناء والنهضة وشهدت ازدهاراً غير مسبوق في كل المجالات. كانت دبي خلال تلك الفترة تستقطب قطاعات المال والأعمال وتزدهر مالياً واقتصادياً. وكان بريق المال يجذب إليه رجال الأعمال ليستثمروا ويستفيدوا من مناخ الأمن والتسهيلات التي تقدمها الإمارة وتتيحها قوانين الدولة. في ذلك الوقت لم يغب عن فئة من أبناء هذا الوطن، الذين كان الهم الثقافي يسكنهم، أن يجتمعوا ويفكروا في مواكبة هذه النهضة الاقتصادية والعمرانية، يدفعهم إلى ذلك عنصر المبادرة الذي عودتهم عليه قيادة هذه الدولة، لتخرج إلى الوجود هذه المؤسسة الثقافية «ندوة الثقافة والعلوم». وعاماً بعد عام، كانت الندوة تثبت حضوراً وفاعلية ومشاركة في تكوين المشهد الثقافي المصاحب للمشاهد الأخرى الكثيرة التي وضعت اسم الإمارات على خارطة الدول الرائدة في كل المجالات، تنظر إليها الدول الأخرى منبهرة بما يحدث على أرضها، وتحاول التشبه واللحاق بها بعد أن غدت إنموذجاً يحتذى به. ولأن قيادة هذا البلد تمد نظرها إلى أبعد مما ترى العين المجردة، فقد كانت تبدأ دائماً ليس من النقطة التي يصل إليها الآخرون، بل من النقطة التي لم يصلوا إليها بعد، فتتسع بذلك المسافة بينهم وبين من يحاول اللحاق بهم. هكذا غدت الإمارات مهرجانات فرح متصلة، يأخذ الاقتصاد والتجارة منها بنصيب، وتأخذ الرياضة منها بنصيب، وتأخذ الثقافة منها بنصيب، ويجد كل ذي حاجة ما يلبي حاجته على اختلاف الحاجات وتنوعها. في لقاء سمو الشيخ محمد بن راشد مع مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم كانت الثقافة تعلن حضورها، فحظيت من سموه بكل الاهتمام والرعاية، عندما تحدث عن ضرورة الاهتمام بها، مؤكدا أنها يجب أن تواكب النهضة الشاملة التي تشهدها الدولة في كل النواحي. وكان طرح مجلس إدارة الندوة لخطته المستقبلية على سمو الشيخ محمد طرحاً واثقاً من أن هذه الخطة ستلقى الدعم والمباركة المأمولين من سموه، وهو الذي طالما أسبغ من أياديه البيضاء على الندوة منذ إنشائها، وعلى كل المؤسسات الثقافية والعلمية التي تضطلع بدور كبير في خدمة الثقافة والعلوم، وإفساح المجال للعقول كي تعبر عن نفسها وتقدم خلاصة علمها وثقافتها للمجتمع. وعلى غير عادة الاستقبالات الرسمية التي تتجه العيون فيها إلى عقارب الساعات وتحسب مددها بالدقائق، كان اللقاء ودياً امتد لأكثر من ساعة، وكان الشعر والأدب والتاريخ حضوراً، وكانت الثقافة هي الملكة المتوّجة لدى من يقدّر ويجلّ دورها في المجتمع. حدث ذلك في منتصف الأسبوع.. ثم جاء آخر الأسبوع ليشهد حدثاً ثقافياً كبيراً ثالثاً، كان في مقدمة حضوره سمو الشيخ محمد بن راشد أيضاً، عندما افتتح المبنى الجديد لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، هذه المؤسسة التي بدأت جائزة للإبداع تحت مظلة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عام 1987، ثم أخذت وضعها على خارطة الجوائز الأدبية في العالم العربي لتتحول الى مؤسسة ثقافية في منتصف عام 1992، وتُشهر عام 1994 بموجب مرسوم أميري من حكومة دبي، مستقلة بذلك عن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات. وقد قامت الجائزة على مدى الدورات السبع التي نظمتها حتى الآن بتكريم العشرات من الأدباء والشعراء والمفكرين على امتداد الوطن العربي، حتى غدت أشهر الجوائز الأدبية، يتطلع إلى الفوز بها كبار المبدعين العرب، ليس لقيمتها المادية فقط، وإنما لقيمتها الأدبية التي جعلتها تتبوأ مكانة رفيعة بين الجوائز الأدبية في العالم العربي. وحينما يتواكب اهتمام رجال الأعمال في الدولة مع اهتمام القيادة السياسية والنخبة المثقفة، يغدو المشهد أكثر إشراقاً ومتعة للعين، إذ لا يعود الاهتمام بالثقافة هو الشغل الشاغل للمثقفين من أبناء الوطن فقط، وإنما هو أيضاً شغل القيادة السياسية التي تحمل معهم همّاً ثقافياً يشاركها في حمله رجال الأعمال من أمثال المرحوم سلطان بن علي العويس، وآخرين سجلوا ويسجلون كل يوم صفحات ناصعة البياض في تاريخ الوطن، ليثبتوا للجميع قولاً وفعلاً أنه: بالعِلمِ والمالِ يبني الناسُ مُلْكَهُمُ لَمْ يُبْنَ مُلْكٌ على جَهْلٍ وإقْلالِ هذه الأحداث الثقافية الثلاثة التي شهدتها دبي على مدى أسبوع، جاءت لتتكامل مع الحدث الثقافي السنوي الكبير الذي تواصل أحد عشر يوماً على أرض الشارقة، وهو معرض الكتاب الذي غدا معلماً من معالم هذه المدينة المزدهرة ثقافياً باهتمام خاص من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي ما فتيء يولي الثقافة اهتمامه الأكبر. هكذا يكتمل المشهد الثقافي ليؤكد للجميع ان نهضة هذه الدولة ليست نهضة اسمنت واسفلت فقط، وإنما هي نهضة عقول تفكر وتعمل كي تضع هذا البلد على خارطة العالم الثقافية، في عصر لم تعد الثقافة فيه حكراً على أحد، وفي عالم نتطلع فيه إلى حضارات تتلاقح وتتكامل، وليس إلى حضارات تتصادم وتتصارع كما يريد البعض ويحاول أن يدفع إلى ذلك. هذا هو الانطباع الذي خرجنا به من أسبوع حافل بالأحداث الثقافية.. وهو الانطباع نفسه الذي خرجنا به من لقائنا بسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.. فهل لأحد بعد ذلك أن ينكر علينا إذا قلنا إن المشهد الثقافي في الإمارات أكثر من رائع؟! aliobaid2000@hotmail.com