الاحد 9 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 12 يناير 2003 ماذا تبقى للرئيس بوش من خيارات سوى مواصلة الكذب الفاضح، بعد أن قدم هانز بليكس رئيس فرق التفتيش الى المجتمع الدولي الرسمي شهادة تبريء في اجمالها العراق؟ «فرق التفتيش عن اسلحة العراق المدمرة لم تعثر على اي دليل اثبات». هذه هي العبارة المفتاحية في تقرير بليكس الى مجلس الامن الدولي يوم الخمس، وما ان اضاف الى هذه العبارة ملاحظة جانبية بأن هناك بعض النقاط الغامضة التي تطرح أسئلة معينة، حتى سارعت بغداد الى الاعلان بأنها على استعداد للاجابة عن أي سؤال يطرح عليها. ما هو اذن المبرر لشن حرب اميركية على العراق سوى ان مسألة اسلحة الدمار الشامل ليست سوى ذريعة تخفي نوايا مبيتة؟ فحتى لو كانت هناك نقاط غامضة كما يقول بليكس، فما الذي يمنع من استجلائها لدى بغداد ومن ثم يغلق الملف نهائيا؟ «إن الحرب إقرار بالفشل» كما اعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك داعيا الى «تغليب الحل السلمي للازمة». وفي حقيقة الامر لا توجد ازمة على الاطلاق.. أو بالاحرى هناك ازمة مصطنعة افتعلتها واشنطن. ولنعد الى السؤال: ماذا تبقى لادارة بوش من خيارات تجاه العراق بعد اعلان تقرير بليكس؟ ان صدور التقرير في حد ذاته بانطوائه بصورة مبدئية على تبرئة ساحة العراق يضاعف من الصعوبة التي تواجه الرئيس بوش في اتخاذ قرار حاسم بشن الحرب، لكن ثمة عوامل اخرى تقلل من احتمال لجوء واشنطن الى الخيار العسكري. في مقدمة هذه العوامل ان موجة الغضب الغربي ضد الحرب على المستويين الرسمي والشعبي ظلت تزداد ارتفاعا خلال الاسابيع الاخيرة. ومع تصاعد هذه الموجة الغاضبة في اوروبا بصفة خاصة اخذت الحكومات الاوروبية في حرصها الانتخابي على التجاوب مع الشارع تصدر تأكيدات تلو تأكيدات بمعارضة الحرب. وثانيا.. دخلت الازمة الكورية على خط السياسة الاميركية لتوقع صقور الحرب حول بوش في اشد الحرج. فالسؤال الكبير الذي يطرح الآن في وسائل الاعلام الاميركية على خلفية الحشد الحربي الاميركي في الخليج هو عبارة عن مقارنة بين حالة العراق وحالة كوريا الشمالية، والسؤال هو: كيف تشن الولايات المتحدة حربا على دولة فتحت اراضيها للفرق الدولية للتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل وتتعاون معها الى اقصى الحدود بشهادة المفتشين انفسهم، بينما تتعامل بأسلوب الدبلوماسية الاسترضائية السلمية مع دولة اخرى اغلقت كاميرات التفتيش وطردت المفتشين؟ على المدى الفوري لا يتوافر لدى ادارة بوش من خيار سوى مجرد الانتظار لفترة اسبوعين. لكن اذا كان التقرير الشفاهي الموجز الذي قدمه بليكس الى مجلس الامن الدولي يوم الخميس يمكن ان يعتبر تبرئة اولية للعراق، فإن التقرير المفصل قد يحمل تبرئة كاملة، وبناء على هذا الافتراض فإن واشنطن يجب ألا تتوقع اخباراً سارة.. لان من المنظور ان يشتمل هذا التقرير على اجابات عن الاسئلة المعلقة التي اشار اليها بليكس. ان هذه الاسئلة تتعلق اساسا بمواد جرثومية عثرت عليها لجنة التفتيش الدولي السابقة برئاسة وليام بتلر.. وعندما غادرت لجنة بتلر الاراضي العراقية نهائياً نهاية عام 1998 (هربا من عملية «ثعلب الصحراء» التي شنت ضد العراق في عهد كلينتون) كانت تلك المواد محفوظة في مخزن. واذ تقول السلطات العراقية الآن انها قامت لاحقا بتدمير هذه المواد فإن لجنة بليكس تطالب بدليل اثبات بأن التدمير حدث فعلاً. وربما تكون هناك نقاط ثانوية اخرى، لكن لم يعد هناك اي شك الآن ان ملفين يجب ان يغلقا نهائياً: ملف الاسلحة النووية وملف الاسلحة الكيماوية. ادارة بوش تجد نفسها الآن في صراع مع الوقت.. وهو ليس في صالحها. لذا فإنه رغم تصعيد الحشد العسكري فإن الرئيس بوش يكتشف مع مرور الايام ان اتخاذ قرار الحرب يزداد صعوبة اكثر فأكثر، ليس بسبب تعاظم المعارضة الغربية على الصعيدين الرسمي والشعبي فحسب، بل ايضا بسبب تنامي المعارضة الاميركية الداخلية، ومما يلفت الانتباه في هذا الصدد ان من بين الجماعات الغربية غير الحكومية التي زارت بغداد مؤخراً لاعلان المعارضة ضد الحرب من هناك ممثلي هيئات كنسية جنبا الى جنب مع ممثلي جمعية اقارب ضحايا 11 سبتمبر في مركز التجارة العالمية في نيويورك الذين اعلنوا من بغداد انهم يرفضون سقوط المزيد من الضحايا من ابناء الشعب العراقي ولننتظر لنرى ما تأتي به الايام.