الاحد 9 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 12 يناير 2003 لم يكن الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني نتيجة لإرادة فلسطينية محضة، كما يشيع بعضهم، بقدر ما جاء نتيجة لظروف ومتغيرات سياسية أملتها جملة من العوامل الضاغطة محلياً وإقليمياً ودولياً، الأمر الذي قوض جملة الخيارات المطروحة فلسطينياً وعربياً، والذي انساق بدوره على التعويل على بعض الخيارات الإسرائيلية الداخلية، من قبل بعض الفلسطينيين والعرب، التي كانت تبشر بين الفينة والأخرى بحالة من الانفتاح على الآخر الفلسطيني والعربي في آن معاً، رغم نزيف الدم الفلسطيني. هذه الظروف والمتغيرات الخطيرة على مستقبل الفلسطينيين بخاصة والعرب بعامة، دفعت بعض الأطراف العربية، وبالتحديد مصر، للبحث الجاد عن مخارج سياسية علها تقلل من حجم الآثار المدمرة التي بدأت نذرها تلوح في الأفق العربي، حاملة معها الكثير من الويلات والانكسارات وخيبات الأمل. أكثر من ذلك أن هذه الرؤية انطلقت، على ما يبدو، من حالة الفهم الكبير لتطور الحياة الداخلية الإسرائيلية، التي تجنح نحو التطرف في ظل تصاعد نجم اليمين المتطرف داخل إسرائيل، الذي يقوده شارون من جهة، ومن جدية الولايات المتحدة باتجاه ضرب العراق وإحداث تغيير قسري فيما يسمى بالخارطة الجيوسياسية على المستوى العربي من جهة أخرى، والتي ستأتي بالأساس، متناغمة أو إذا شئت متساوقة مع الرؤية الشارونية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لكن بعيداً عن التكهنات والتحليلات، فقد انطلقت مصر في حوارها مع الفلسطينيين بهدف خلق مناخات وحدوية انطلاقاً من مخاوفها على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها، وما ستؤول إليه أوضاعها فيما لو تحققت مخططات شارون على الجبهتين العراقية والفلسطينية في آن معاً. بحيث أفادت بعض المصادر القيادية الفلسطينية التي قابلت المسئولين المصريين، بأن مصر تسعى بكل ما لديها من أجل الوصول إلى صيغة فلسطينية موحدة، رغم معرفتها المسبقة بأن ثمة فجوات كبيرة لاتزال تبعد الأطراف الرئيسية عن بعضها البعض، أعني أن ثمة فجوة بالفهم والرؤية شاسعة تفصل بين حماس من جهة وحركة فتح من جهة أخرى. لكنها مصر وحسب المصادر القيادية لا يمكنها أن تبقى متفرجة على الواقع الفلسطيني الراهن والقادم، وأنها تجد نفسها معنية في تخفيف الآثار التي قد تنجم عن ضرب العراق ما أمكنها ذلك على الجبهة الفلسطينية، وأن شرط تخفيف الآثار المدمرة لا يمكن أن ينجح إلا بخلق استراتيجية فلسطينية متوازنة تستند إلى وحدة الموقف والهدف، وأن يقوم، العمل، على خطين متوازيين؛ فمن جهة تحاول فض الذرائع من يد اليمين الإسرائيلي، الذي بدأت نذر برامجه الانتخابية تتضح معالمها، والتي تلخصت على الشكل التالي: برنامج الليكود الانتخابي لا يقر الاعتراف بدولة فلسطينية، بحيث يسمح للفلسطينيين بإدارة حياتهم بشكل حر في إطار حكم ذاتي، وليس في إطار دولة، أكثر من ذلك أن المواضيع الخارجية والأمن للفلسطينيين ستكون بمسئولية إسرائيل، مغفلاً في برنامجه التطرق لنوعية المرجعية الفلسطينية. بينما ذهب شينوي إلى الاعتراف بدولة فلسطينية من دون عرفات، وأن شرط قيامها بتنازل الفلسطينيين عن حق العودة، وأن القوى الفلسطينية الموجودة أي السلطة الفلسطينية ليست شريكاً بالسلام، وأن شرط السلام يقوم مع جهات معتدلة، أي مع تجمع يرضخ لكل الشروط الإسرائيلية التي تقوم بالأساس على عدم الاعتراف بالقرارات الدولية الخاصة بالشأن الفلسطيني. أما شاس (الحزب الديني الشرقي) وإسرائيل بيتنا(الاتحاد القومي)، فيرفضان من حيث المبدأ قيام دولة فلسطينية إلى جانب ما يسمى بدولة إسرائيل، بينما يرى الثاني بأنه لن يقوم كيان سياسي إضافي بين نهر الأردن والبحر، وأن الحل المقترح لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين هو الترحيل الطوعي. وقس على ذلك مواقف (إسرائيل بعليا) الذي يرى أنه مجرد طرح فكرة السيادة الفلسطينية يشكل جائزة للإرهاب. ناهيك عن موقف «المفدال» الحزب القومي الديني الذي يرفض هو الآخر رفضاً قاطعاً قيام دولة فلسطينية بين النهر والبحر. بل والأخطر من ذلك أن كافة أحزاب اليمين مجمعة على وحدة القدس تحت السيادة الإسرائيلية وإغلاق كل ما يمت لمؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية فيها كمقدمة لكنس الوجود العربي منها. إذن كل هذه البرامج دفعت مصر للتخفيف من حدة الصدام الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بحيث يتم حصره في حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة التي أجمع العالم على أنها أراض محتلة، سعياً لمجابهة اليمين الإسرائيلي قبيل الانتخابات، والذي لن يتأتى من وجهة النظر المصرية إلا من خلال موقف فلسطيني موحد يستند إلى فض الذرائع اليمينية في إسرائيل، والذي من شأنه أن يحد من الانحياز الإسرائيلي العام لقوائم اليمين. بمعنى أوضح، أن الرؤية المصرية ومعها بعض الرؤى الفلسطينية تجد ضالتها في ضرورة التهدئة من أجل تفويت الفرصة على اليمين بقيادة شارون، والذي من شأنه أن يعيد ترميم مواقع الوسط واليسار الذي يعترف بقيام دولة فلسطينية وشراكة ما بالقدس مع الفلسطينيين. أما ما يخص المواقف الفلسطينية المتناثرة، فقد بدأت مصر وبعض الأطراف الفلسطينية ترى في ضرورة بلورة موقف سياسي ـ نضالي موحد على الصعيد الفلسطيني، من أجل حمله إلى العالم باعتباره موقفاً متوازناً يستند إلى الشرعية الدولية، وأنه إذا ما نجحت بذلك ومن خلال المساندة العربية، فستكون قد نجحت في تثليم إرادة شارون الساعية إلى تبديد القضية الفلسطينية، كمقدمة لوأدها. ودون ذلك وحسب بعض المصادر التي قادت الحوارات مع أعلى السلطات السياسية والأمنية المصرية، فقد تختفي القضية الفلسطينية إلى عشرين سنة مقبلة أو على الأقل ستتراجع إلى الخطوط الخلفية جداً، لتصبح مشكلة ثانوية يمكن التغلب عليها باتخاذ جملة من الإجراءات الأمنية والتقنية وما إلى غير ذلك. خلاصة الأمر أن مصر في فتحها للحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني تحاول نقل الكرة إلى داخل إسرائيل التي تعيش صراعاً داخلياً على كل المستويات، والاهم من هذا كله تحاول اغتنام الفرصة، باعتبارها سانحة، من أجل فتح المجال أمام القوى الإسرائيلية المعتدلة في انتخابات الكنيست المقبلة، التي تتوافق هذه الأيام مع رؤية الفلسطينيين المقيمين داخل فلسطين عام 1948، ولا تزال تطرح في برامجها الانتخابية دولتين لشعبين تعيشان بسلام الواحدة إلى جانب الأخرى، وتبادل الأراضي وبتسوية نزيهة لمشكلة اللاجئين، بمشاركة الأسرة الدولية. الأهم من كل ما تقدم، بتنا نشهد سجالاً سياسياً هذه الأيام بعد الحوارات التي أجرتها القاهرة بين مجموع القوى إن كان بشكل ثنائي أو إفرادي، والذي بدأ يتكرس حول الرؤى من جهة والمخاوف على مستقبل الشعب الفلسطيني من جهة أخرى، وبدأت تظهر العديد من وجهات النظر حول طبيعة هذه الرؤية لواقع الحال الفلسطيني، وصحة وعدم صحة صوابيتها. لكن السؤال الأهم ما الذي سيكون عليه واقع الشعب الفلسطيني لو وقع المحظور، من دون أن تتوصل القوى الفلسطينية إلى اتفاق موحد حول سياسة فلسطينية موحدة؟ وما هي الإجراءات التي من الواجب اتخاذها عربياً، لو أن الفلسطينيين وافقوا على كل ما يقال عربياً وانتصر شارون في الانتخابات المقبلة وبدأ بالشروع في مخططاته الجهنمية؟ ـ كاتب فلسطيني