الاحد 9 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 12 يناير 2003 «الولايات المتحدة الأميركية تحاول المس بنا وتهديد بلادنا لكنها لن تهاجمنا عسكرياً!». هذا الكلام هو لكمال خرازي وزير الخارجية الإيراني في رده على أسئلة أحد الصحفيين حول احتمالات ان تكون بلاده مستهدفة بعد العراق. وهو كلام قد يعبر بالمناسبة عن حالة العديد من الدول المجاورة أو المعنية بالشأن العراقي التي تبدو للمراقب في هذه الايام مسترخية مسلّمة بقدر العراق وربما بقدرها. لو كان هذا الكلام قد ورد على لسان محلل صحفي يحاول تقديم تقرير اخباري تحليلي عن الوضع لما اثار أحداً من المراقبين لكن ان يصدر عن رئيس الدبلوماسية الايرانية فقد استوقفني كثيراً، وأظن انه قد استوقف الكثيرين وأثار عندهم الكثير من التساؤلات عن سر هذا الاسترخاء الدبلوماسي الايراني وأيضاً صديقه وشقيقه العربي!! وأقول صديقه وشقيقه العربي أولاً لأنني أعتقد جازماً ـ طبعاً إلى حد كبير ـ بأن حالة الايرانيين والعرب الآن باتت واحدة مهما حاول اظهار عكس ذلك أو خلافه العديد من المحللين من الطرفين، وثانيا لأن الأمر بات مستقطباً بين الايرانيين والعرب مجتمعين كقوة منكفئة مسترخية وبين الاسرائيليين والاتراك كقوة مندفعة فاعلة وثالثاً وأخيراً فإن النفط «النقمة» بات يجمعهم في مصيبة واحدة مهما حاولوا التملص من هذه الحقيقة بعد أن تبين بما لا يدع مجالاً للشك بأن النفط بات هدفاً تكتيكياً وآنيا وملحاً للمخطط الأميركي المرسوم للعراق وما بعد العراق. القارئون بالدقة والتفصيل والتأني والمثابرة لما يسربه الأميركيون شفاهة وكتابة تحليلاً صحفياً أو تقارير يتم تداولها في الأروقة الخلفية للسياسة والدبلوماسية باتوا متأكدين بأن المواجهة المفتوحة باسم ملف العراق اليوم تشمل ما يلي من الاهداف: أولاً: وضع اليد على العراق من قبل الولايات المتحدة، نفطاً ومقدرات تاريخية ومستقبلية بشكل تام ونهائي. ثانياً: تقديم العراق كمثل حي وتجربة ملموسة لجيرانه مجتمعين ولمن يهمه الأمر في الخريطة الأبعد بأنه مصير من يفكر بالخروج على «الارادة الدولية والمجتمع الدولي» وهو مصطلح غالباً ما بات يعني القرار الأميركي، فإن مصيره بات واضحاً ومرسوماً منذ الآن. ثالثاً: ان هذه التجربة «الديمقراطية والتقدمية الأولى في العالم العربي» كما يقول عنها توماس فريدمان منظر الادارة الأميركية العتيدة، انما هي مقدمة «لتغيير خرائط العالم» كما قال جورج بوش الابن مبكراً. وأما فيما يخص ايران بشكل خاص فليس سراً أيضاً ان يقال ان الادارة الأميركية قد حسمت أمرها بخصوص امكانية الرهان على رجل الاصلاح المعتدل الرئيس محمد خاتمي عندما كررت اكثر من مئة مرة بأنه «لم يف بالتزاماته!» بينما دعا توماس فريدمان بشكل أوضح أن المطلوب «تشليح رجال الدين ومن بينهم الرئيس خاتمي ـ الذي يقدم غطاءً ديمقراطياً لهم لا أكثر، نعم «تشليحهم النفط! وعند ذلك فقط نستطيع التأكد من مدى جدية تلك المجتمعات في توجهها الديمقراطي!». ثمة من يقول وهو كلام يصدق هنا بالنسبة للعراق على الأقل: «من يأتي بالدب إلى كرمه عليه ان يتحمل نتائج ضياع الكرم والحصاد الخاسر». لكن الأمر ليس هكذا بالمطلق، إذ ثمة «معادلة غلبة» عسكرية فقد تحرق الاخضر واليابس اذا لم نستعد لها ليس فقط بعدم تقديم الذرائع وارتكاب الحماقات بل ومن خلال القراءة الدقيقة المبكرة لاحتمالات والتقدير الصحيح للموقف والأهم من كل ذلك وهذا اتخاذ الآليات والأساليب والوسائل المناسبة قبل وقوع الواقعة أو حتى قبل اقترابها منا. نعم والا ما معنى ان تقف الان كل دول الجوار العربي وإيران المعنيين الأكثر بالملف العراقي من غيرهم مسترخين ينتظرون الحدث الأكبر وهم يستقبلون ويودعون المندوبين من الفريق الآخر المشتبك عملياً في ساحة العراق بمن فيهم الاتراك. ثم فيما يخص ايران بالذات ثمة من يتساءل بجد، إلى متى هذا التسقيط المتواصل لبعضهم البعض وهم على أبواب مواجهة كبرى قرب حدودهم، بل في قلب الدار وبين السريرين وأعني هنا سرير المحافظين وسرير الاصلاحيين حتى يصل الامر إلى ان وزير الخارجية ورئيس الدبلوماسية الايرانية يبدو للعالم وكأنه غير قادر حتى على اعمال وجهة نظره الخاصة بهذا الملف الخطير والمهم فيضطر عملياً وبسبب تشابك الخطوط وشدة احتكاكها وتداخلها وتشعبها وتجاذبها وتنافرها إلى أدائه دبلوماسية أقل ما يقال عنها انها غامضة وضبابية ومبهمة كما بدأ يصفها الكثيرون في الداخل كما في الخارج، والمشكلة ليست في وزير الخارجية بالمناسبة، بل بمجموع سياسة الاحزاب والاجنحة والتيارات المستغرقة في «مستنقع الداخل» بشكل يثير الدهشة والريبة! ثمة مثل ايراني معروف يصور حالة الذين يحاولون التقليل من الخطر الداهم المقبل على أهل الدار يقول: «ان شاء الله قطة..!» وهو اشارة إلى صاحب الدار الذي كلما اراد عياله ايقاظه والطلب إليه مواجهة الحرامي الذي يصدر أصوات تحركه فوق سطح الدار كلما كان يرد عليهم «إن شاء الله قطة..! هي التي تصدر مثل هذه الأصوات». في حرب أفغانستان كنت من أوائل الذين قالوا ان نصب الاميركيين خيمتهم هناك هدفها السيطرة النهائية على النفط ومصادر الطاقة في بحر الخزر، وهو أمر بات الآن حقيقة وليس تحليلاً فقط لمن يتابع بعمق ودقة ما يحصل اليوم هناك، وعندما بدأ الحديث عن ملف العراق قلت منذ اليوم الأول انه النفط ومصادر الطاقة، واليوم يقولها توماس فريدمان وغيره، صراحة «وما العيب في ذلك نعم انها معركة من أجل النفط، لكن لا بأس بأن نحتسيه بشكل أخلاقي ونستغله من أجل اقامة أول دولة عربية متقدمة!!». كل هذا وأهلنا وأهل جيراننا لا يزالون يصرون: «ان شاء الله قطة!» أو «بسين» كما يقول اللبنانيون. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الإيراني