الاحد 9 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 12 يناير 2003 هذا حكم قضائي مهم لأنه يعطي نقطة ضوء في واقع الحياة الحزبية المتردي منذ سنوات في مصر. الحكم القضائي صدر منذ أيام من المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة ليضع حدا لتدخل السلطة في الشئون الداخلية للأحزاب، حيث قررت المحكمة أن «لجنة شئون الأحزاب» ليس لها حق في التدخل لحل النزاعات التي تنشأ داخل الأحزاب في مصر على رئاستها، أو في مشروعية ما تعقده هذه الأحزاب من اجتماعات أو مؤتمرات. وأوضحت المحكمة في حكمها الهام أن لجنة شئون الأحزاب ليس من حقها أن تعتد بأحد المتصارعين على رئاسة الحزب، ولا أن تجمد نشاطه بدعوى أن هناك خلافا على رئاسته.. فهذا كله من اختصاص القضاء دون سواه. و«لجنة شئون الأحزاب» هي احدى أعاجيب الحياة السياسية في مصر. فاللجنة التي تسيطر على الحياة الحزبية وتقرر مصير الأحزاب مشكلة من أغلبية للحزب الوطني الحاكم حيث تضم رئيس مجلس الشورى ووزير العدل ووزير الداخلية ووزير الدولة لشئون مجلس الشعب بالاضافة الى ثلاثة من بين رؤساء الهيئات القضائية السابقين أو نوابهم يصدر باختيارهم قرار من رئيس الجمهورية. هذه اللجنة هي التي تقرر أساسا السماح بنشأة الأحزاب حيث يشترط القانون موافقتها على قيام أي حزب بعد أن تقرر اذا كان قد استوفى الشروط اللازمة، والنتيجة أن معظم الأحزاب تم رفضها من اللجنة، ولم تخرج الى الحياة السياسية الا بأحكام قضائية بعد الاعتراض امام المحاكم على قرارات اللجنة. هكذا خرجت الأحزاب الرئيسية بينما اكتفت اللجنة باعطاء موافقتها لأحزاب وهمية لا وجود لها في الشارع السياسي ولا جماهير ولا فكر ولا رؤية، فكان طبيعيا أن تتحول هذه الأحزاب الصغيرة الى «مسخرة» سياسية تابعة للحزب الحاكم، وأن يكون وجودها عاملا سلبيا في الحياة الحزبية بعد أن تحول بعضها الى مجال للسخرية، وأصبح بعضها مجرد «ديكور» يقول أن هناك أحزابا وحياة حزبية. ولم تكتف «لجنة شئون الأحزاب» بالتحكم في نشأة الأحزاب السياسية، بل تحولت بعد ذلك الى سيف مسلط على الأحزاب بعد قيامها فأي حزب يخرج عن «السيناريو» يصبح مصيره هو «التجميد» والعملية لا تحتاج الا إلى عشرة أو عشرين من اعضاء الحزب يتم الاتفاق معهم فيعقدون ما يدعونه بـ «الجمعية العمومية» ويقررون اسقاط قيادة الحزب وانتخاب قيادة جديدة. وهنا تظهر على الفور«لجنة شئون الأحزاب» لتقرر تجميد الحزب حتى انتهاء النزاع الدائر على قيادته. وهكذا دخلت خمسة أحزاب من بين 16 حزبا رسميا في ثلاجة «التجميد» أو وقف النشاط.. وهي أحزاب العمل والاحرار والوفاق ومصر الفتاة والشعب الديمقراطي، بينما أفلت حزبان آخران من التجميد وهما حزب الخضر الذي توافق أعضاؤه على انهاء خلافاتهم، وحزب «العدالة الاجتماعية» الذي عاد بحكم قضائي. وإذا كان الحكم الأخير للمحكمة الادارية العليا قد أنهى عصر تجميد الاحزاب في مصر بقرارات إدارية، وفتح بابا للأمل امام الأحزاب لتمارس دورها بشجاعة ودون خوف، فإن هذا الأمل يبقى محدودا بالمناخ العام الذي يحكم الحياة السياسية وأيضا بنصوص القوانين التي مازالت تضع القيود وتقيم السدود أمام انطلاق الحياة الديمقراطية التي يتمناها الجميع وتستحقها ـ بلا شك ـ مصر بكل تاريخها. لقد أدت القيود التي قيدت حق تكوين الأحزاب السياسية، وحاصرت ممارسة هذه الأحزاب بعد تكوينها الى هذا الخواء الديمقراطي الذي تمثل في فقدان كل الأحزاب السياسية ـ بما فيها الحزب الوطني الحاكم ـ لدور فعال وحقيقي ومؤثر في الحياة السياسية. ولعل ما حدث في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة كانت دليلا على الازمة الطاحنة التي تمر بها الحياة الحزبية في مصر لقد كانت هذه الانتخابات هي الأولى التي تتم تحت اشراف قضائي، ومن هنا كانت ـ خاصة وفي مرحلتها الأولى ـ تعبيرا من الناخبين عن استيائهم من الواقع ورغبتهم العارمة في التغيير. ورغم ماتم اتخاذه من اجراءات حكومية لمحاصرة هذا التعبير في المراحل التالية من الانتخابات، فإن النتيجة النهائية هي سقوط 60% من المرشحين الرسميين للحزب الحاكم، وهو الامر الذي تم تلافيه بضم المرشحين المستقلين الى الحزب واستغلال ضآلة النسبة التي حصلت عليها أحزاب المعارضة لكي يحافظ الحزب الوطني على سيطرته الكاملة على مجلس الشعب، وإن كان هذا لم يمنع الحزب من الدخول في محاولة لاصلاح شئونه الداخلية انقسم فيها الى معسكرين يقود الأول قيادات الحزب التقليدية ويقود المعسكر الثاني جمال مبارك نجل الرئيس المصري.. ورغم أن الفريقين يتعايشان الآن الا أن كل المؤشرات تدل على انه تعايش مؤقت لابد أن يحسم قريبا لمصلحة أحد الفريقين. ورغم كل الضجة التي أثيرت حول ما قيل انه محاولة لاصلاح الحزب الوطني، فإن النتائج مازالت محدودة للغاية، والحزب مازال هو حزب الحكومة الذي يعتمد على جهاز الدولة الإداري ويدرك أن عنصر قوته الوحيد هو رئاسة رئيس الدولة له، وأنه لو ترك الرئيس مبارك رئاسة الحزب أو أنشأ حزبا جديدا كما فعل السادات من قبل.. لفقد الحزب الحالي كل مبررات وجوده، كما حدث مع حزب مصر الذي انتهى فعليا يوم قرر السادات اقامة الحزب الوطني. وإذا كان الحزب الوطني يتحدث عن محاولة للإصلاح، فإن باقي الأحزاب لا تملك حتى هذه النية، فالكل تخندق في موقعه، والكل محاصر بخلافاته الداخلية أو محدودية الموارد المالية أو الالتزام بأن يكون النشاط الحزبي داخل المقرات وحدها.. أما الشارع السياسي والجامعات والهيئات والمصانع فممنوع على الأحزاب الرسمية الاقتراب منها، والنتيجة أن من يتحركون فيها هم الجماعات السرية والمتطرفة والمحجوب عنها الشرعية. ولا شك أن هناك اتفاقا عاما في مصر على أن هذه الاوضاع لا يمكن أن تستمر، وأنها تحتاج الى اصلاح سياسي حقيقي، وأن التأخير في اجراء هذا الاصلاح سوف تكون له عواقبه السيئة وبالطبع لا يرتبط ذلك ولا يمكن ان يرتبط بهذه الدعوة المشبوهة التي اطلقتها أميركا تحت مسمى «مبادرة الشراكة الديمقراطية» عن طريق وزير خارجيتها باول.. والتي لا تستهدف في حقيقتها إلا لتمهيد الطريق لاسقاط اي صوت معارض للسياسة الأميركية واقامة أنظمة حكم عميلة في البلاد العربية تخضع لواشنطن جملة وتفصيلا. الاصلاح السياسي مطلب قديم يزداد الحاحا.. ليس خضوعا للسياسة الأميركية، ولكن لحشد الجهود والطاقات من أجل استقلال الوطن ونهوضه والتصدي لكل محاولات الاملاء الأميركية ومواجهة المخاطر التي يمثلها الكيان الاسرائيلي بكل عدوانيته ونازيته وأطماعه. ولقد كانت هناك فرصة لهذا الاصلاح المطلوب في منتصف التسعينيات، حين تعرضت مصر لهجمة ارهابية استهدفت أمنها واستقرارها. وكان واضحا ان فلول الارهاب تتمتع بتأييد هؤلاء الذين يريدون الآن اعطاءنا دروساً في الديمقراطية ويحملوننا مسئولية وجود الارهاب. ويومها اثبتت مصر اصالتها وصلابتها ووحدتها الوطنية وخاضت المعركة الصعبة ضد فلول الظلام بينما كانت واشنطن وحلفاؤها يوفرون الملجأ والحماية لقيادات هذه الجماعات. وفي هذه المعركة وقفت كل الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية ضد هذا الخطر الماثل على الجميع. وأدرك الجميع ان اطلاق جحافل الظلام هو محاولة لمعاقبة مصر على مواقف مبدئية مع الحق الفلسطيني ومع المصالحة العربية ومع توحيد الجهود من اجل استقلال الادارة العربية وتحقيق التكامل الاقتصادي والسياسي ومواجهة المحاولات الاسرائيلية للهيمنة ومعارضة انفرادها بامتلاك أسلحة الدمار الشامل لتهديد أمن المنطقة وممارسة البلطجة والابتزاز ضد العرب. في هذه الأجواء كانت مساحة الوفاق الوطني في مصر واسعة. وكان يمكن ـ في ظلها ـ أن يدور الحوار حول الاصلاح السياسي المطلوب وحول السياسات الاقتصادية والتوجهات الاجتماعية لاعداد الدولة لتحديات الحاضر والمستقبل ولكن الفرصة ضاعت والحوار لم يتم وبقيت الأوضاع على ماهو عليه. والآن ـ وبغض النظر عن الحكم القضائي الأخير ـ فإن الأوضاع تفرض هذا الحوار المطلوب من أجل الاصلاح الذي أصبح ضرورة حياة. ففي مواجهة الأوضاع الخطيرة التي تمر بها المنطقة تتحول مساحة كبيرة من التوافق بين الجميع فهناك رفض للعدوان الأميركي على العراق ولحرب الابادة التي تخوضها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وهناك رفض للمخططات الاميركية للسيطرة على مقدرات الأمة العربية وثرواتها واحتلال أراضي بعض دولها واقامة القواعد العسكرية في اراضيها ليكون الوجود العسكري وسيلة الهيمنة على بترول العرب وفرض الخريطة الجديدة للمنطقة التي تريد بها واشنطن تمزيق البلاد العربية وإلغاء فكرة العروبة من قاموس شعوبها! هناك مساحة كبيرة من الوفاق الوطني لمواجهة كل ذلك والتصدي له. وهناك رفض كامل لمحاولات اميركا للتدخل في الشئون الداخلية، وتقوم أحزاب المعارضة الآن بجمع ملايين التوقعات التي تعبر عن الرفض الشامل لمبادرة باول ولكل محاولات فرض الرؤية الاميركية على مصر. وفي المقابل.. هناك أوضاع اقتصادية صعبة وسوف تزداد صعوبة اذا قامت أميركا بعدوانها على العراق. وهناك أوضاع اجتماعية لابد من التعامل معها بجدية قبل ان تصل لمرحلة الانفجار، وهناك فساد بدأت الحكومة ـ ولو متأخرة ـ في مواجهته، وهناك خلل فادح في توزيع الدخول أدى لأوضاع معيشية صعبة للغالبية ولتراكم الثروات (الحلال أو الحرام) عند البعض الذي بادر بتهريبها للخارج. ولا شك أن الرؤى تختلف حول سبل مواجهة هذه الأوضاع. فالبعض يرى انها نتاج سياسات اقتصادية واجتماعية خاطئة من الأساس.. بينما يرى البعض ان السياسات كانت صحيحة وان الخلل جاء في التطبيق وما شابه من اخطاء. ومع ذلك فضغط الأوضاع أقوى من الخلاف في الرؤى. ومن داخل الحكومة والحزب الحاكم الآن من يتحدث عن ضرورة مراجعة سياسة «الخصخصة» والطريقة التي تمت بها والسلبيات التي رافقتها، ومن داخل الحكومة والحزب الحاكم الآن من يرفض الخضوع لسياسات البنك الدولي وصندوق النقد ويقول ان تخفيض قيمة الجنيه المصري كان خطأ وتخفيضه مرة اخرى سيكون كارثة. ومن داخل الحكومة والحزب الحاكم الآن من يطالب بمراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية في الحقبة الماضية وهو ماواجهته أميركا باطلاق التحذيرات العلنية وغير العلنية من عودة السياسات «الناصرية» الى مصر! الخلاف في الرؤى طبيعي ومطلوب. ولكن الجميع يدركون الآن خطورة الموقف، ويفهمون ان مصر مستهدفة، وان المطلوب اغراقها في مشاكلها الداخلية لتترك أميركا واسرائيل ترتبان الأوضاع في المنطقة على هواهما ووفقا لمصالحهما وهناك يقين بأن الحكومة الحالية ليست مؤهلة لمواجهة هذه التحديات الهائلة، لكن القضية أكبر من مجرد تغيير الوزارة. والمطلوب هو حوار وطني شامل يراجع الموقف من كل جوانبه ويكشف عن ايجابياته وسلبيات المرحلة الماضية، ويعيد النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أدت الى الأوضاع الحالية، ويضع الخطوط الأساسية لاصلاح سياسي شامل. ينهي الركود القاتل الذي أصاب الحياة السياسية بتصلب الشرايين، ويغلق باب الأوضاع الاستثنائية التي طالت بأكثر مما ينبغي، ويعطي اجازة اجبارية لترزية القانون الذين يصوغون التشريعات حسب المقاس المطلوب، وينزع القيود المفروضة على الأحزاب والصحافة، ويجعل الحرب على الفساد نهجا دائما، ويحسم قضية انتقال السلطة بعد الرئيس مبارك لتكون عنوانا لحياة ديمقراطية حقيقية تستحقها ـ بلا شك ـ مصر التي عرفت البرلمان منذ القرن التاسع عشر والتي قام أول حزب فيها قبل الثورة العرابية ليمثل كل المواطنين (مسلمين وأقباطا ويهودا) في وقت كان فيه أمثال وزير الخارجية الأميركي (صاحب برنامج تعليم الديمقراطية للعرب) يعانون في بلادهم من أبشع ألوان العنصرية من مجتمع كان يضع السود واليهود والكلاب في مرتبة واحدة! ـ نائب رئيس تحرير أخبار اليوم المصرية