السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 تأمركت الافكار واساليب الحوار والتصرفات، وتأمرك الجو والطقس والمناخ العام، تأمرك الكره وتأمركت العداوة وتأمرك الحب والسلم، وصار لكل هذه الاشياء بهارات، غير التي صنعتها جداتنا في ليالي الشتاء الباردة..أنفك اليوم «مزكوم» بطعم ما تعودته حواسك، وان شاء لك ان تقيس وان تزن الامور وان تقدر خطرا او تحسب حسابات في المستقبل البعيد فليس لك سوى المساطر الاميركية ومثلثات قياساتها، وليس لك سوى اجندتها وحلولها الجاهزة الملفوفة في ورق السلوفان المقوى من ذلك النوع الذي يرسل مع ركاب الفضاء الى القمر او المريخ او المحطة الدولية في الفضاء. قال هذا وهو يلوك قلمه الازرق في فمه كالمسواك ويرتشف قهوته المرة امامي بخليط من مشاعر وردات فعل متسارعة لم اتمكن من تفنيدها لأنقل عنها الصورة الصحيحة، رجل شعره ابيض من المتابعة والمطالعة وخبرة العمل الصحفي وسنواتها تركت على وجهه شحوباً غريباً.. قلت له الا ترى انك تناقض حقيقة أنت تدركها اكثر مني؟ أليس من الطبيعي ان تتأمرك خلايا السنتنا في حلوقنا وبالتالي يتأمرك مذاقنا للاشياء لانها اصبحت امبراطورية عسكرية ضاربة تفرض شروطها ومناخها على العالم بالقوة والجبروت شأنها شأن كل الامم المتجبرة التي فرضت نفسها على العالم؟ أليس من الطبيعي ان يلم «السلطان» «غلة» الفقير وان يسير عسسه في كل مكان ليضربوا بالسوط وليجعلوا المارة يحنون ظهورهم عند مقدمه؟ هزمني بالجمل والاسئلة ذاتها.. وصرخ هذا يحدث حينما لا يبقى امام السلطان «فحل» يوازيه، وهذا حدث في كل التاريخ ولكن بصور مختلفة، وكل الامم التي سيرت جيوشها لاخضاع العالم تحت اقدامها سيرتها لاحلام مختلفة منها ما نفع البشرية، وحينما تختبر معارفك امامي لا تتبجح بمثل هذه المبررات، عد الى التاريخ واقرأ عن الذين سيروا اساطيلهم ماذا قدموا وماذا فعلوا..كانت هناك فلسفة، صحيح كانت هناك بجوارها انهار من دم، لكن كل ذلك يختلف.. كيف يا صاحب الشعر الاشيب وهذه الخبرة الطويلة، ما اقصده بالتأمرك ان اميركا لا تضرب بيدها وحدها، انها تسمم والسم اشد فتكا من اللكمات.. صاح صاحبي من جديد.. هذا هراء.. اميركا تأمرك طعم ألسنتنا لانها تستخدم مختبراتها العلمية في فك شيفرات سلوكنا وهي تمارس شيئاً ألعن من الحرب..اساطيلها وصواريخها لا تخيف، وكثيرا ما اخطأت اهدافها، لكن الذي لا يخطيء اهدافه عندها هي المشاريع التي تخرج من تلك المعامل والمفصلة على قياسنا. واللي صرنا نلبسها ونتذوقها وكأنها اكسير الحياة الحقيقي.. لم اخرج من تلك المقابلة الثمينة بشيء الا هذا..لكن عندما مد لي يده المرتجفة للوداع قال..اميركا بخار وليست حضارة وللاسف نحن الذين تعودنا الانحاء حتى في غياب السلطان عن السوق..