السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 يبدو ان حواء ستظل لغزاً محيراً لنا جميعاً، فمنذ بدء الخليقة وحواء تنثر أسرارها وخفاياها على امتداد الكرة الأرضية، والرجل يلهث باحثاً عن مفاتيح تلك الأسرار والطلاسم العصية، وكلما رحلت أيام الزمن وتبدلت الاحوال والمفاهيم، وامتدت الحضارات بقامتها، حاملة ثقافات الدنيا وفنونها وأسرارها وخفاياها، اعتقد الرجل انه وصل الى آخر الأسرار، وفهم ما لم يفهمه الآخرون، لكنه ما ان يصل الى تلك القناعة يجد نفسه وقد رجع يبحث من جديد. اليوم ونحن نعيش زمناً مختلفاً انقلبت فيه المعايير، وتغيرت الموازين وانكشفت ورقة التوت التي كانت تغطي عورة العالم، وأصبحت الفضائيات تنثر وجوهاً وتلفظ أخرى ربما تشبهنا لكننا لا نعرفها.. في هذا الزمن الذي طوّقته الاتصالات بأذرع اخطبوطية عجيبة، لا فكاك منها، نتساءل ويتساءل غيرنا: من ذا الذي يملك حق النشر وحق المنع؟ ولماذا تصلنا أخبار بعينها وتختفي أخرى عن أسماعنا وعيوننا؟ لماذا تصبح الولايات المتحدة أم العالم وأباه وسيدته؟ ولماذا تكبر كلمة الحرية والديمقراطية هناك في أقصى الغرب وتضيق الى حد التلاشي هنا؟! ربما يعتقد بعضكم انني بدأت بحواء وانتهيت بأميركا، والفرق بين حواء وأميركا كبير لا يصل الى حد التلاقي، لكنني أرى ان حواء وأميركا تتشابهان الى حد كبير، فهما أنثيان ولغزان، فكلما اعتقدنا اننا نفهم المدعوة أميركا، اكتشفنا اننا نبحر بعكس اتجاه الريح، وحواء كذلك ايضاً. وما دمنا نتحدث عن حواء نترك أميركا الى حيث لا رجعة ونستفيض من أخبارها المثيرة، فحواء أصبحت أول انسانة مستنسخة في التاريخ البشري، ما يعني ان العام 2003 عام استنساخي بأمر من شركة «كلون ايد» التي قامت بتلك العملية التي هزّت العالم وأثارته وزلزلت حفيظته الأخلاقية. وإذا ما صحّت تلك الأخبار وصدقت، طرق العالم باباً جديداً لا مجال فيه للاجتهاد، انه باب لا يعرف ما وراءه إلا الله سبحانه وتعالى! المثير في خبر حواء انه أصبح مادة للاستشراف، واثارة الأسئلة التي لا تجد اجابات، مثلما هو مادة للبحث عن الثروة وكسب الملايين! ربما يتساءل بعضكم.. وكيف ستدر حواء المستنسخة الملايين من الدولارات، وعلى من ستهبط تلك الثروة؟! وتأتي الاجابة سهلة لينة، فالثروة سيجنيها هؤلاء «الهُبل» من أولئك المجانين.. فلو أصبح استنساخ البشر سهلاً مثل تفريخ البيض، ووصل الى درجة أن يسعى أحد المعجبين بفنان ما، أو لاعب كرة، أو نجم معين للحصول على حمضه النووي «DNA» والاحتفاظ به، أو أخذه الى المختبر لتولد بعد تسعة أشهر نسخة طبق الأصل من هذا الفنان أو تلك النجمة، فهنا لابد أن يجد هؤلاء من يحميهم! هل تتحقق تلك التخيلات وتصبح واقعاً؟ وهل يتحول هذا السيناريو الى حقيقة عملية؟! أحياناً تصبح التنبؤات اطاراً جديداً للعمل والحلم بالثروة، لهذا وجد شخص يدعى اندره كرامب فكرة الاستنساخ التي تسيطر بشكل مجنون على معاهد الأبحاث في أميركا وأوروبا، مثيرة وجديدة ومربحة، فقد أسس صاحبنا شركة أسماها معهد حقوق طبع الحمض النووي، فمقابل 1500 دولار أميركي تقوم الشركة بأخذ عينة لعاب من فم الزبون وترسلها الى مختبر لاستخراج صورة الحمض النووي، وتخزينها لاستعمالها عند اللزوم في الدعاوى القضائية. ويعمل كرامب على تحذير المشاهير والنجوم، مطالباً اياهم اللجوء الى شركته لتسجيل وحفظ حمضهم النووي حتى لا يسرقه المعجبون. المثير ان أحداً لم يتقدم الى تلك الشركة لتسجيل حمضه النووي، ورغم ذلك لايزال الأمل يداعب صاحبها بأن يتوجه نجوم الفن والسياسة والرياضة والثقافة لتسجيل حقوقهم الشخصية لدى شركته، من باب ان الكثير من الفنانين يقومون بالتأمين على أعمالهم الفنية كالأفلام واللوحات التشكيلية والروايات والكتب، وجميعها يأتي ضمن لائحة الابداع، فلماذا لا يقومون بالتأمين على حمضهم من السرقة والاستنساخ؟! ويبدو ان نجوم الفن والرياضة والسياسة لم تكفهم مطاردة العشاق لهم في كل مكان وزمان حتى يجدوا مطاردة من نوع آخر إذا ما ثبتت حقيقة حواء المستنسخة.. وعليه ستصبح «تفلة» النجمة وينونا رايدر غالية جدا، ومثلها سيكون عرق زين الدين زيدان، ومحرمة المائدة التي تلقيها ليلى علوي، أو رذاذ العطسة التي تعطسها مادونا، أو ماء حوض السباحة الذي تركه الممثل توم هانكس. انها صناعة وتجارة المستقبل التي يحلم الكثيرون باستغلالها، ولكن ليس في الوطن العربي الذي يبيع فنه وشخوصه ونجومه وأحلامه بأبخس الأسعار وأتفه الأثمان!!