السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 المشهد في هونغ كونغ. ثلاثة رجال مسلمون ـ باكستانيان وأميركي من أصل هندي ـ يعرضون للبيع سراً كمية من الهيروين والحشيش على مجموعة أميركيين من تجار الأسلحة في السوق السوداء مقابل الحصول على صواريخ «ستينغر» لصالح جماعة إسلامية باكستانية. يُلقى القبض على الرجال الثلاثة بواسطة شرطة هونغ كونغ بعد أن يتضح أن عناصر المجموعة الأميركية هم في الحقيقة من رجال الاستخبارات الأميركية. السلطات الأميركية تطلب من حكومة هونغ كونغ تسليم الرجال الثلاثة للتحقيق معهم في الولايات المتحدة. ولدهشة القاضي الصيني في إحدى محاكم هونغ كونغ يطلب الرجال الثلاثة من المحكمة الاستجابة لطلب السلطات الأميركية! ويأتي تفسير اللغز من صحيفة ألمانية: فالرجال الثلاثة هم أنفسهم عملاء لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي. والهدف من التمثيلية بالطبع هو توريط الجماعة الإسلامية الباكستانية في فعل إجرامي أو على الأقل الإساءة إليها. لكن القصة تتضاءل في قيمتها الدرامية بالمقارنة مع قصة لاحقة. فالقصة اللاحقة ابتكار خيالي: على شاشات التلفزيون وصفحات الصحف بطول الولايات المتحدة وعرضها تظهر صور خمسة أشخاص «ذوي ملامح شرق أوسطية» على خلفية نفير أمني في مكتب التحقيقات الفيدرالي يدعو جماهير الشعب الأميركي إلى التبليغ عن هؤلاء «الإرهابيين الهاربين». وتؤكد بيانات مكتب التحقيقات لمدى أيام متتالية أن هؤلاء الأشخاص دخلوا الأراضي الأميركية بصورة غير مشروعة. وعلى موقعه الخاص في الانترنت يعلن مكتب التحقيقات أن الأشخاص الخمسة تمكنوا من الدخول بجوازات سفر بريطانية مزورة «حصلوا عليها من شبكة إرهابية دولية لها فرع في باكستان». وبينما يعم الرعب الولايات المتحدة يظهر على شاشات التلفزيون الرئيس جورج بوش بنفسه فلا يزيد المواطنين إلا ارتعاباً بقوله «إن القضية خطيرة». وبعد هذا كله يتضح أن القصة محض خيال! فهي بكل تفاصيلها مختلفة من أولها لآخرها. ليس هذا استنتاجاً أو استنباطاً وإنما مكتب التحقيقات الأميركي بنفسه أصدر بياناً يوم الأربعاء المنصرم يذكر فيه أن مخبرين تابعين له «اختلقوا» القصة. فقد ورد في البيان ما نصه: «يبدو أنها معلومات اختلقها أفراد يخضعون للتحقيق حاليا». وفي نهاية البيان يقول المكتب إنه بعد اكتشاف أن هذه المعلومات «مختلقة» فإن المكتب لم يعد بحاجة الى مساعدة الجمهور لتحديد أماكن هؤلاء الأشخاص «الذين لم يعد مكتب التحقيقات الفيدرالي يبحث عنهم». والآن ماذا تعني مثل هذه الأحداث التي تتراوح ما بين التمثيل والتلفيق؟ إن الاستنباط الواضح المباشر هو أن كل الشخصيات الحقيقية والخيالية في هذه السيناريوهات مسلمون. فالهدف إذن هو استغلال هستيريا «الحرب على الإرهاب» لمواصلة الإساءة الى المسلمين كأمة وإثارة مشاعر غضب متجددة عليهم على المستويين الأميركي والعالمي. إننا مع ذلك نخطئ إذا تصورنا ان ترتيب تمثيليات أو اختلاق سيناريوهات خيالية للإساءة إلى المسلمين يعكس مسلكاً فردياً من بعض عناصر أجهزة الاستخبارات الأميركية في المستويات الوسطى أو الدنيا من وراء ظهر قادة هذه الأجهزة. لا ... إنها سياسة معتمدة رسمياً على أعلى مستويات الإدارة الأميركية. ولعلنا نذكر ان الرئيس بوش أصدر في حمأة إعلان الحرب على «الإرهاب العالمي» قراراً تنفيذياً يخول الأجهزة الأمنية حرية استخدام أي أساليب قذرة ضد «المنظمات الإرهابية» بما في ذلك أسلوب الاغتيال دون التقيد بأي محاذير قانونية. وعلى إثر إصدار هذا القرار الرئاسي فإن أعداد عملاء الأجهزة الأميركية المنتشرين في أنحاء العالم يقدر الآن بنحو سبعة آلاف عميل سري مُخوّل لهم جميعاً استخدام أساليب غير مشروعة تتراوح ما بين بث الشائعات وتسريب الروايات الإخبارية الملفقة إلى اصطياد المشتبه بهم بعمليات قتل على أساس الشبهة فقط. وتترافق مع هذه الحملة الخارجية حملة داخلية في الولايات المتحدة وبريطانيا تهدف إلى إرعاب الجمهور واستمرار إرعابه لكي يكون مهيئاً على الدوام لتقبل ما يستحدث من حين لآخر من قوانين استثنائية تحد من الحريات الشخصية باسم استمرار حملة مكافحة الإرهاب. وفي الأسبوع الماضي نشر الكاتب الصحافي البريطاني المخضرم سايمون جنكنز مقالة عدّد فيها قصص الرعب المختلقة التي تبثها أجهزة الأمن البريطانية خلال الشهور الأخيرة مثل قصة ضبط أفراد كانوا يعتزمون إطلاق غاز السارين القاتل في محطة مترو وقصة أن أفراداً آخرين ضُبطوا وهم يعدون لشن هجوم جرثومي في لندن عن طريق إطلاق جراثيم الجدري. وحتى الآن لم نسمع أن أياً من هؤلاء الأفراد قُدم إلى محاكمة. غير أن الأشد إرعاباً هو أن «الحرب على الإرهاب العالمي» لن تكون لها نهاية.