السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 يتابع العالم مشدوها، ومشدودا بقلق غير مسبوق صور القلاع الحديدية والمطارات العائمة التي تطوق المنطقة العربية، وبخاصة الخليج العربي والعراق تحديدا. كما يصغي جيدا الى كل همسة تصدر عن مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة سدنة القرار 1441، ويطرح من الاسئلة النازفة ما يملأ وجه المستقبل العربي بكل اشكال الرعب واليأس والاحباط. ترى لو ان العرب صالحوا عدوهم الصهيوني العنصري في فلسطين سواء على طريقة كامب ديفيد، او اوسلو، او اي اسلوب يرضي البيت الابيض الصهيوني، ويمرغ الكرامة العربية بوحل الذل والاستسلام، هل كان ثمة وجود لهذه الحشود التي تدفع بها اميركا نحو الارض العربية بهدف اكتساحها، واستباحتها واعادة رسم خرائطها؟! ولو ان العراق لا يمتلك الموقف، والموقع والنفط، هل كان له ذكر في غرف عمليات البنتاغون او دوائر صنع قرار الحرب في اميركا؟ ولو ان العرب لا يمتلكون الارث الحضاري الهائل، والعراقة التاريخية الرائعة، والاصرار لدى جماهير هم على استعادة امجاد تالدة، ورسالة خالدة، هل كانوا ليشكلوا هاجسا لدى الغرب الاستعماري الاميركي والصهيونية العالمية؟! كل هذه الاسئلة تجيب عنها الاستراتيجية الصهيونية في المنطقة العربية والمتمثلة بالفهم «التوراتي» للتاريخ والاصرار الواقعي على امتلاك النقيضين، الارض والسلام، في فلسطين وامتدادها على جهاتها الاربع وصولا الى ما بين النيل والفرات في المرحلة الاولى من المشروع الصهيوني!! كما تجيب عن هذه الاسئلة مصالح الادارة الاميركية التي تصر ان يكون حضورها في هذا القرن على مستوى الكوكب، مدججا بكل وسائل الموت والقهر والاذلال والاستلاب للشعوب. وقد كان النفط عصب السياسة الاميركية منذ سبعينيات القرن الماضي، بعدما تراجع الانتاج الاميركي من النفط الى ثلثي الانتاج العالمي في العام 1930 والى خمس الانتاج العالمي بعد حرب اكتوبر التحريرية عام 1973، وبعدما اصبحت اميركا تستورد اليوم اكثرمن 60% من حاجاتها النفطية ومرشحة لاستيراد 90% من حاجاتها في العام 2020. فاذا اضفنا الى هذه «الحالة النفطية الاميركية» اربعة امور مفصلية: الاول: هو الاعلان الاميركي في مطلع الثمانينيات ان حدود الامن القومي الاميركي هي اخر قطرة نفط في آبار الخليج! الثاني: هو خيبة الامل بعد فشل التقديرات التي كانت تضع ارقاما فلكية لنفط بحر قزوين، والتي كانت من بين الدوافع الهامة للسياسة الاميركية لدعم «طالبان» ثم الانقلاب عليها. الثالث: هو النتائج الدقيقة للدراسات التي اعدت لحساب البيت الابيض والتي تؤكد ان نفط الخليج سوف يبقى لعشرات السنين الاحتياطي الاول على مستوى هذا الكوكب. الرابع: يتمثل في ان معظم القادة الاميركيين، صقورهم والحمائم، يعملون في النفط بدءا بعائلة بوش، ومرورا بوزير داخلية البيت الابيض، والامن القومي، ونائب الرئيس تشيني وانتهاء بجورج بوش الاب الذي يعمل الان لحساب مجموعة الشركات المتخصصة في الاستثمارات النفطية. كل ذلك يفسر للمتابع والمحلل الاسباب الكامنة وراء الاصرار على ضرب العراق حتى لو فتشوا كل حبة تمر، او ذرة رمل او قطرة ماء فيه، وجاء تقرير المفتشين الدوليين ناصعا كعين الشمس، فإن نفطه هدف اميركا، وارضه هدف الصهيونية لحل مشكلتها الديموغرافية، وبالتالي فمعجزة استبعاد الحرب ستكون حلم ليلة صيف! فالنفط في مفهوم الذين يقدمون المصالح على القيم والمباديء، والذين يجعلون الجيوش وارواح جنودها في خدمة النفط ومكاسب جنرالاته، يعتبرون ان نفط العراق هو اسلحة الدمار الشامل التي يجب عن تتسلم اميركا والصهيونية مفاتيحها، ولن تعوزهم الذرائع والعلل لارتكاب ابشع حماقة في التاريخ. بقي ان تدرك الامة، ولم يفت الوقت بعد، ان «البصرة» هي كل قرية، ومدينة عربية من المحيط الى الخليج، وانه بعد خراب «البصرة» لا سلامة لأحد ولاندامة تنفع، ولا كرامة لمن ستبقيهم المصادفة احياء بلا حياء في هذه الامة التي عمر مجدها رجال دخلوا التاريخ، وها هي ارواحهم تضج غضبا اليوم من خنوع الابناء والاحفاد، وقبولهم بالاذلال والهوان.. ان الحياة وقفة عز فقط، فهل نقفها؟! ـ نائب رئيس اتحاد الصحافيين العرب